من التجربة فحسب،
فالنظرية هي التي تأتي أولاً.»
في بناء المعرفة العلمية تكون، بالضرورة، للنظرية.
تُعدّ المعرفة فاعليةً إنسانيةً بامتياز، فلطالما كان الإنسان شغوفاً بالبحث عن أجوبة لأسئلة حيّرته منذ الأزل، وبتفسير الظواهر الطبيعية. وإذا كان قد لجأ في البداية إلى الميثوس والخرافة لإشباع فضوله، فإنه — مع ظهور الفلسفة واللوغوس ثم استقلال العلوم عنها — أصبح يُفسّر العالم بنظريات علمية منطقية. غير أن سؤالاً جوهرياً ظل قائماً: كيف تُبنى هذه النظريات؟ هل تنطلق من المعطيات التجريبية، أم من العقل والمنطق والخيال، أم من الجمع بينهما؟
تنخرط القولة التي بين أيدينا في هذا النقاش الإبستيمولوجي، إذ تتأطّر ضمن مجزوءة المعرفة، ودرس النظرية والتجربة، تحديداً في محور «العقلانية العلمية». وهي قولة لـستيفن هوكينغ تُقرّر أن النظرية تأتي أولاً في كل اكتشاف علمي كبير. وعليه يمكن صياغة الإشكال التالي: هل تكون الأولوية في بناء المعرفة العلمية، بالضرورة، للنظرية؟ ويتفرّع عنه:
تدافع القولة عن أطروحة عقلانية مفادها أن النظرية سابقة على التجربة في بناء المعرفة العلمية، فلا توجد نظرية كبرى انبثقت من التجربة وحدها، بل النظرية هي التي تأتي أولاً لتُوجّه التجربة وتُحدّد ما يُبحث عنه.
تقوم البنية المفاهيمية للقولة على مفهومَين مركزيَّين. أوّلهما النظرية، وهي بناء عقلي يتضمّن مبادئ ومفاهيم مترابطة فيما بينها بعلاقات منطقية محدّدة، تهدف إلى تفسير الظواهر وفهمها. أما النظرية العلمية تحديداً، فهي تلك التي تتميّز بالدقّة والموضوعية والقابلية للاختبار. وثانيهما التجربة، التي تتنوّع إلى نوعين: تجربة حسّية عامية هي مجرّد تراكم للمعيش اليومي، تُعدّ عائقاً إبستيمولوجياً لافتقارها إلى الدقّة، وتجربة علمية أو ما يُسمّى بـالتجريب — وهي مساءلة منهجية للطبيعة داخل المختبر، يُعاد فيها إنتاج الظاهرة قصد تفسيرها.
تربط بين هذين المفهومَين علاقة أسبقية وتوجيه: فالنظرية، حسب القولة، منطلق بناء المعرفة العلمية ومصدرها، أما التجربة فلا تأتي إلا لاحقاً للتحقّق من صدق ما اقترحه العقل. والمفاهيم العلمية والنظريات إبداعات حرّة للعقل البشري، وليست صادرةً مباشرةً عن التجربة. ولا توجد في العلم ملاحظة محايدة أو تجربة مستقلّة، فكل ملاحظة موجَّهة دوماً بنظرية مسبقة تُحدّد ما يستحق أن يُلاحَظ.
ولتعزيز هذا الموقف، يمكن إعادة بناء حجاج القولة من ثلاثة وجوه. أولاً، تاريخ العلم يشهد بأسبقية النظرية: ديموقريطس، أحد الفلاسفة الطبيعيّين الأوائل، بمحض قوّته العقلية فطن إلى أن «كل شيء من ذرّات»، وهذا القول لم يثبت تجريبياً إلا بعد ألفَي سنة. ثانياً، التجربة العلمية ذاتها لا تخلو من شوائب، فهي لا تُعطي نتائج موثوقة بشكل مطلق، خاصة حين نتعامل مع معطيات تستوجب الدقّة اللامتناهية كما في الميكانيكا الكمّية. ثالثاً، العقل المبني على المنطق المتماسك والرياضيات المجرّدة قادر على تدارك ما تعجز عنه التجربة، بل قادر على تعويضها كلياً في بعض المجالات. وهذا ما يُعبّر عنه أينشتاين بقوله:
ويُكمّل روني طوم هذا التصوّر بقوله: «إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي». فالعقل والخيال الرياضي هما اللذان يُؤسّسان النظرية، ثم تأتي التجربة لاختبارها لا لإنتاجها. لكن إلى أي حدّ يمكن الاكتفاء بهذا الطرح العقلاني المتطرّف؟
تستمدّ أطروحة القولة قيمتها من كونها سلّطت الأضواء على العقل والمنطق بعدما كان أغلب التجريبيّين يُقلّلون من قيمتهما أو يعتبرونهما عنصرَين ثانويَّين. كما تُؤكّد على أسبقية النظرية على التجربة في بناء المعرفة العلمية، خاصة في زمن العلم المعاصر الذي بلغ درجة من التجريد لا تسمح بالتحكّم التجريبي المباشر في كل الظواهر. والتحرّر من قَيد التجربة المباشرة يجعل العلم أكثر خصوبة وانفتاحاً، إذ تُتيح النظرية افتراض ما لم يُلاحَظ بعد، فتفتح آفاق البحث.
غير أن هذه الأطروحة تواجه حدوداً لا يمكن إغفالها. فأولُ ما يُميّز العلم منذ نشأته هو احتكامه إلى التجارب، والتجربة العلمية تظلّ معياراً لعلمية النظريات: نظرية لا تقبل الاختبار التجريبي تظلّ مجرّد تأمّل ميتافيزيقي. كما أن النظرة التاريخية تُبيّن أن كثيراً من النظريات الكبرى نشأت من ملاحظات تجريبية قادت إلى تعميمات نظرية.
ومن أهمّ المعارضين لأطروحة القولة، نجد الفيلسوف الألماني هانس رايشنباخ الذي ينتقد العقلانيّين انتقاداً لاذعاً. فعنده، المعرفة العلمية تتميّز بالمعقولية لا بالعقلانية، إذ إن صفة العقلانية تُطلَق على المذهب الفلسفي لا على المعرفة. والعقل العلمي، حسبه، هو العقل المُطبَّق على المادة التجريبية والملاحظة العلمية — أي عقل تابع للتجربة، يشتغل على معطياتها لا في عزلة عنها. وقد ذهب رايشنباخ إلى حدّ اعتبار النزعة العقلانية أقربَ إلى الصوفية منها إلى العلم، لأن كليهما يعتمد على معطيات حدسية فوق-حسّية مجرّدة من الواقع تماماً. وبالتالي فالتجربة هي الأساس الحقيقي لبناء النظرية، وهي وحدها كفيلة بضمان موضوعيتها.
وفي مقابل هذا التطرّف من الجانبَين، يقترح الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار موقفاً توفيقياً نقدياً يتجاوز ثنائية «العقل وحده» / «التجربة وحدها». فالمعرفة العلمية عنده لا تمشي على قدم واحدة، بل تستلزم تفاعلاً جدلياً بين العقل والتجربة، وإلا كانت عرجاء. وهو ما يُعبّر عنه بقوله الشهير:
وقد استمدّ باشلار هذا التصوّر من إيمانويل كانط، رائد التيار التوفيقي النقدي، الذي يقول في السياق نفسه: «إن المقولات العقلية بدون حدوس حسّية جوفاء، والحدوس الحسّية بدون مقولات عقلية عمياء». فالعلم الحقيقي حوار دائم بين بناء عقلي يُقدّم الإطار النظري، واختبار تجريبي يُحدّد صدقه في الواقع.
نستنتج من خلال عمليتَي التحليل والمناقشة أن قضية العقلانية العلمية أو كيفية بناء النظريات العلمية اكتسبت طابعاً إشكالياً، لكون الفلاسفة الإبستيمولوجيّين لم يتّفقوا على اتجاه واحد. فالعقلانيّون (هوكينغ، أينشتاين، روني طوم) يعتبرون العقل أساساً لبناء المعرفة العلمية؛ والتجريبيّون (رايشنباخ) يُولّون وجوههم شطر التجربة؛ بينما روّاد التيار التوفيقي النقدي (باشلار، كانط) يجمعون بين العنصرين معاً في بناء النظرية.
ولعلّ الموقف الأنضج هو الذي يُبرز تكامل أدوار النظرية والتجربة، مع الإقرار بأن هذا النقاش يُحلّ بالفصل بين النظريات الرياضية والنظريات الفيزيائية. فالأولى تتميّز بالتجريد من الواقع في عملية البناء — قد يستلهم عالم الرياضيات نظرية ما من الواقع، لكن بناءها الفعلي يتمّ بالرجوع إلى البرهان الرياضي وحده. ومثال ذلك فرضية ريمان التي ما تزال إلى يومنا هذا غامضة دون أن تحتاج إلى أي مرجعية تجريبية. أمّا النظريات الفيزيائية فهدفها تفسير الطبيعة، ولذا فمن الطبيعي أن تلجأ إلى التجربة في بنائها — لأن التجربة، كما يقول كوفييه: «الملاحظ يُصغي إلى الطبيعة، أما المُجرّب فيسائلها ويُرغمها على الجواب».
وفي اعتقادنا الشخصي، كل نظرية يتمّ التوصّل إليها بالطريقة التي تناسب محتواها وتتماشى مع الميدان الذي تنتمي إليه. فليس كل إنجاز علمي ثمّ التوصّل إليه بنفس الطريقة، لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الإنجازات ليست أجوبة نهائية، فهي تتميّز بالنسبية. ويقول باشلار في هذا الصدد: «تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء». وعليه، فالإشكال الذي يُطرح الآن هو: كيف نتحقّق من النظريات العلمية؟ وما المعيار الذي يجعل نظرية ما علمية مقبولة؟
قراءة منهجية للجواب على ضوء عناصر التصحيح الرسمية
❶ المثال التاريخي (في التحليل): «ديموقريطس افترض الذرّة قبل ألفَي سنة من إثباتها تجريبياً» — مثال نموذجي يُبرهن مباشرةً على أسبقية النظرية. مأخوذ من تاريخ العلم نفسه، فيجمع بين القوة الإقناعية والمصداقية المعرفية.
❷ المثال العلمي المعاصر (في التحليل): «الميكانيكا الكمّية» — حيث أصبحت المفاهيم بعيدة عن التجربة المباشرة، ممّا يُؤكّد أن العقل الرياضي هو الذي يبني النظرية. مثال راهن يربط القولة بواقع العلم اليوم.
❸ المثال الرياضي (في التركيب): «فرضية ريمان» — ما تزال غامضة دون مرجعية تجريبية، وهذا يدعم القول بأن النظريات الرياضية تُبنى بالعقل المجرّد وحده. مثال تخصّصي يُغني التركيب بالدقّة.
❹ الاستشهاد بكوفييه (في التركيب): «المُجرّب يُسائل الطبيعة ويُرغمها على الجواب» — اقتباس قويّ يدعم البُعد التجريبي للفيزياء. يُكمّل المثال الرياضي بإبراز خصوصية النظريات الفيزيائية.
الخلاصة في توظيف الأمثلة: تنوّع الأمثلة بين تاريخي / معاصر / رياضي / فيزيائي يُغني الجواب ببراهين متعدّدة الأبعاد، ويُمكّن التركيب من تجاوز الإجابة الواحدة الموحَّدة نحو إجابة مُتدرّجة حسب طبيعة العلم — وهو ما يعكس النضج الفلسفي للجواب.
| المرحلة | المعيار | النقط |
|---|---|---|
| الفهم | تحديد موضوع القولة | 01 ن |
| صياغة الإشكال | 02 ن | |
| الأسئلة الأساسية الموجِّهة | 01 ن | |
| التحليل | تحديد أطروحة القولة وشرحها | 02 ن |
| تحديد مفاهيم القولة وعلاقاتها | 02 ن | |
| تحليل الحجاج المعتمد أو المفترض | 01 ن | |
| المناقشة | التساؤل حول أهمية الأطروحة وحدودها | 03 ن |
| فتح إمكانات أخرى للتفكير في الإشكال | 02 ن | |
| التركيب | خلاصة التحليل والمناقشة | 02 ن |
| إبداء الرأي الشخصي المبني | 01 ن | |
| الجوانب الشكلية | تماسك العرض | 01 ن |
| سلامة اللغة | 01 ن | |
| وضوح الخط | 01 ن | |
| المجموع | 20 ن | |