تكمن قيمة موقف بيير دوهيم، ومن معه من روّاد النزعة التجريبية الكلاسيكية والوضعية المعاصرة، في كونه أحد أبرز المواقف التي أَغنَت النقاش الإبستمولوجي حول معايير علمية النظريات. كما أنه دَعا إلى ضرورة التقيّد بمعطيات التجربة والاستناد إلى الواقع كمرجع للحكم على النظرية، مما حَفظ للعلم طابعه الموضوعي. غير أن تطوّر العلم في القرن العشرين، وما رافقه من ظهور للفيزياء النظرية والميكانيكا الكمّية، كَشف عن عقلانية رياضية تَتعامل مع واقع مجرَّد لا يُمكن إخضاعه دائماً للتجربة المباشرة، مما يُظهر حدود المعيار التجريبي ويَدعونا إلى الانفتاح على معايير أخرى.
على عكس دوهيم، يَتبنّى الفيزيائي الكبير ألبرت أينشتاين (Albert Einstein) معياراً مغايراً يَجعل من التماسك المنطقي الرياضي مقياس علمية النظرية. ويُؤسّس موقفه على فكرتَين متكاملتَين: الأولى أنه وَجَّه نقداً لكلّ من اعتبر التجربة معياراً وحيداً، وتَساءل بصيغة استنكارية: «ما الذي يَتبقّى للعقل إذا كانت التجربة هي بداية فهم الواقع ونهايته؟». ولا يَعني ذلك أن أينشتاين أَلغى التجربة، بل جَعل لها دوراً ثانوياً، لأنها لم تَستطع مواكبة ما عَرفه العلم من تطوّر وما كَشفه من موضوعات دقيقة كالإلكترون والثقوب السوداء.
أما الفكرة الثانية، فهي تأكيد أينشتاين على القدرات اللامحدودة للعقل الرياضي الذي يَصفه بأنه «عقل حرّ خلّاق ومبدع». ومثال ذلك أن نظرية النسبية العامّة قام بناؤها على الاستنباط الرياضي قبل أن تَجد طريقها إلى الإثبات التجريبي بسنوات. وهذا ما يُؤهّل العقل الرياضي ليكون المعيار الأَصلح لصدق النظرية العلمية، خاصة في مجال الفيزياء النظرية المعاصرة.
وفي اتجاه ثالث يَتجاوز ثنائية «التجربة/العقل»، يَطرح الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (Karl Popper) في كتابه «منطق الكشف العلمي» معياراً متميّزاً وفريداً مفاده أن صدق النظرية العلمية يَكمن في قابليتها للتزييف (Falsifiability). فالمبدأ الذي يَنطلق منه بوبر هو أن النظرية العلمية ليست دعوى لامتلاك حقيقة مطلقة، بل محاولة تأمّلية لتفسير العالم، ولذلك فعِوَض أن يَتّجه العالِم نحو تأكيد ما يَجعل النظرية صحيحة، عليه أن يَتّجه نحو ما يُثبت زيفها.
ولتوضيح ذلك، يَقدّم بوبر مثالاً شهيراً: إذا كانت لدينا نظرية تَقول «كل البجع أبيض»، فلن يَضمن لها العلمية تكرار رؤية ملايين البجعات البيضاء، بل يَكفي اكتشاف بجعة سوداء واحدة لتَنهار النظرية. ومن هنا فالعلم يَتقدّم لا بتثبيت النظريات، بل بـسقوطها واستبدالها بأفضل منها. وعلى هذا الأساس، يُميّز بوبر بين العلم وغير العلم: التنجيم مثلاً ليس علماً لا لأنه كاذب بالضرورة، بل لأنه غير قابل للتكذيب — أيّاً كان مصير الشخص، يَجد المنجّم تفسيراً ضمن نظامه. أمّا نظرية نيوتن في الجاذبية فعلمية لأنها تَتنبّأ بانحرافات معيّنة قابلة للتفنيد.
وفي إطار توفيقي يَرى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (Gaston Bachelard) أن المعيار الأَنضج للعلمية لا يَكمن في الانحياز لطرف واحد، بل في الجدلية بين العقل والتجربة. فالعلم في تَصوّره ينطلق من النظرية ويَعود إليها بعد المرور بالتجربة، وكل قطيعة معرفية تَحدث عبر هذا التفاعل. ويُلخّص ذلك في قولته الشهيرة:
«لا وجود لعقلانية فارغة، كما لا توجد اختبارية عمياء»