تَستمدّ الأطروحة المفترضة قيمتها من كونها تُؤكّد على إمكان التواصل المعرفي بين الذوات، وتَرفض حبس كل ذات في عزلتها. كما أنها تَستند إلى تجربة معيشة بسيطة: حين أرى شخصاً يَبكي، لا أَتردّد في فهم أنه حزين — وهذا فهم تَلقائي يَقوم على المماثلة. غير أن هذه الأطروحة تَواجه اعتراضات جوهرية: فالمماثلة قد تَفترض ما يَجب إثباته (هل الغير شبيه بي حقاً؟)، وتَتجاهل أن لكل ذات تجربتها الفريدة التي لا تَنتقل إلى غيرها مهما بَلغت دقة الاستدلال.
على عكس هوسرل وشيلر، يَذهب الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي في كتابه «الذات والوجود» إلى أن معرفة الغير مستحيلة، لأن الحميمية الذاتية حاجز لا يُمكن اختراقه. فالتجربة الذاتية للألم أو الفرح أو الخوف غير قابلة للنقل إلى ذات أخرى، مهما حاولت هذه الأخيرة أن تَستدلّ عليها. ويُعبّر بيرجي عن ذلك بصورة مُؤثّرة:
«عندما يَتألّم الغير يُمكنني مساعدته ومواساته، غير أن ألمه يَبقى رغم ذلك ألماً خارجياً بالنسبة لذاتي — فتجربة الألم تَظلّ تجربته الشخصية وليست تجربتي»
فالمماثلة، وفق هذا المنظور، وَهْم معرفي: حين أَظنّ أنني فَهمت ألم الغير، أنا في الحقيقة أُسقط عليه ألمي الخاصّ، فأَعرف نفسي لا الغير. وهكذا تَنكشف حدود المماثلة كأداة لمعرفة الغير.
ويُعزّز هذا الموقف الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر، الذي يَرى أن معرفة الغير لا تَتمّ بالمماثلة، بل عبر «النظرة» (le regard). فحين يَنظر إليّ الغير، يُحوّلني من ذات حرّة إلى موضوع ضمن عالمه. وهذا التحويل يَكشف وجود الغير لكنّه لا يَكشف داخله — بل يَكشف فقط كيف يَراني هو. ومن هنا قول سارتر إن العلاقة بالغير صراع مستمرّ بين نظرتين تتنازعان السيادة، وليست تواصلاً معرفياً متبادلاً.
↓
ويُعزّز هذا الموقف الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر، الذي يَرى أن المماثلة لا تَكفي لمعرفة الغير، لأنها تَفترض شفافية الذات لذاتها أوّلاً، ثم إسقاط هذه الشفافية على الغير ثانياً — وكلا الافتراضَين موضع شكّ. فالأنا ليست شفّافة لذاتها كما يَزعم الوعي الكلاسيكي، بل تَكتشف ذاتها عبر اختبار خاصّ يَكشفه الغير: تجربة الخجل. فحين أَنحني لأَنظر من ثقب الباب وأَنا وحدي، لا أُدرك ذاتي إلا من خلال فعل التطفّل ذاته. لكن حين أَشعر بنظرة الغير عليّ، تَنكشف لي ذاتي كموضوع للحكم، فأَكتشف نفسي «متطفّلاً» بفضل الغير لا بفضل الاستبطان. وعليه، فالمعرفة لا تَسير من الأنا إلى الغير عبر المماثلة، بل من الغير إلى الأنا عبر النظرة. هكذا تَنقلب علاقة المعرفة عند سارتر: الغير لا يُعرَف بمماثلة الأنا له، بل الأنا تُعرَف بفضل وجود الغير — مما يَكشف العجز الجوهري للمماثلة كأداة معرفية.
وفي اتجاه ثالث يَتجاوز ثنائية «الإمكان/الاستحالة»، يَطرح الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز تصوّراً بنيوياً لمعرفة الغير. عنده، الإشكال ليس في طبيعة الغير، بل في تصوّرنا له: حين نَتخيّل الغير ككائن فرد مغلق له داخل وخارج، تَستحيل المعرفة. لكن إذا نَظرنا إليه بوصفه «نظام علاقات» يَشاركنا الإدراك ويُكمّل تَجربتنا للأشياء، فإن المعرفة تَصبح ممكنة في البنية المشتركة. كما يَقول دولوز:
«ثمّة آخرون يُدركون ما لا أُدركه من الأشياء، وإلا بَدت الأشياء وكأنّها تَنعدم حين لا أُدركها — الغير يُشاركني إدراك الأشياء ويُكمل إدراكي لها»
فدولوز يَنقذ إمكان معرفة الغير، لكن دون السقوط في وَهْم المماثلة. المعرفة ممكنة في البنية المشتركة، لا في اختراق حميمية الغير.