العنف ليس صورةً واحدة: فهناك عنف فيزيائي مَرئي، وعنف رَمزي خَفي. وهل العنف متأصّل في الطبيعة البشريّة كنزعة تدميريّة فطريّة، أم مُكتسَب ينشأ من ظروف خارجيّة؟ هذه الخطاطة تَكشف تَعدُّد أشكال العنف وأَصلها.
العنف المُمارَس على الجسد أو الممتلكات الماديّة: القتل، التعذيب، التخريب، الحرب. هذا النوع مَرئي وقابل للقياس، وقد تَطوّرت وَسائله مع تَطوّر التقنية لِتُصبح أكثر فَتكاً. يُمارَس على المستوى الفردي أو الجماعي أو الدولي.
العنف غير الفيزيائي المُمارَس بِواسطة الكلام، اللغة، التربية، الإعلام، الإيديولوجيا. يَتميّز بِكَونه خَفيّاً وغير مَحسوس، يَجعل الضحيّة تَتقبَّله — بل تُسهم في إنتاجه — دون وعي. حَلَّله بيير بورديو خاصّةً في علاقات الهيمنة الاجتماعيّة.
فيزيائي: الحَرب، التعذيب، الاغتيال — عُنف مُباشَر على الجَسد.
رَمزي: اللُغة المُهيمنة التي تَفرض رؤيتها على المُهَيمَن عليه — يَتقبّلها ويَستبطنها.
السؤال: هل العنف طبيعة إنسانيّة ثابتة (نزعة تدميريّة فطريّة)، أم نتاج ظروف اجتماعيّة قابلة للتغيير؟
يُشير إيف ميشو إلى أنّ إنتاج وسائل العنف يَشمل وسائل التَسليح الفردي ووسائل التَخريب الجماعي. هذه الوسائل أصبَحت في مُتناوَل الكلّ: أفرادٌ، جماعاتٌ، دُولٌ. فصار العنف أكثر فَتكاً. كما أصبَح أكثر اتّصالاً بالإعلام الذي يُسَخّره عن طريق نَشره أو السكوت عنه. والخلاصة: تَطبيق التقدّم التقني والعلمي على استِعمال العنف وكيفيّة تَدبيره يُمكّننا من فَهمه: الفعاليّة المُضاعَفة في التَّخريب (إبادة جماعيّة، تَهديد حياة الملايين)، وإمكانيّة حِسابه والتَحكُّم فيه، ممّا يَفتح المَجال للقَمع المُمَنهَج.
يُجيب إيريك فروم على السؤال «هل الإنسان كائن عَنيف بطبعه؟» بالقَول: إنّ دراسة بَعض الظَواهر الاجتماعيّة قد تُوحي بأنّ النزعة التدميريّة لها جُذور نظريّة في طبيعة الإنسان. إلّا أنّ التحليل المعمَّق يُثبت أنّ كلّ المُمارَسات التي تُؤدّي إلى التدمير ليست ناتجة بالضرورة عن «شَغف بالتدمير». فالتدمير ليس سُلوكاً يَنتج بصفة عمليّة عن غريزة تدميريّة، بقَدر ما يَنتج عن دَوافع ونَزَعات ليس من الضروري أن تَكون طبيعيّة. ويَتَرتّب عن ذلك أنّ الطبيعة البشريّة ليست هي التي تُولّد العنف، وإنّما هناك «طاقة تدميريّة كامنة تَجدها بعض الظروف الخارجيّة والأحداث المفاجئة هي التي تَدفع بها إلى الظُّهور».
يُعرّف بيير بورديو العنف الرَمزي بأنّه «ذاك الذي يُمارَس على فاعل اجتماعي ما بمُوافقته». وبعبارة أخرى: «إنّ الفاعلين الاجتماعيّين يَعرفون الإكراهات المُسلَّطة عليهم — وهم حتّى في الحالات التي يَكونون فيها خاضعين لحَتميّات — يُسهمون في إنتاج المَفعول الذي يُمارَس عليهم». وبما أنّ هذا العنف رَمزي، فإنّه يُمارَس بـوَسائل رَمزيّة: التواصل، تَلقين المعرفة، التربية، الإعلام. الفاعل الاجتماعي يُسهم — دون وَعي كامل — في إعادة إنتاج بُنى الهيمنة التي تُمارَس عليه.
تتنوّع أشكال العنف من الفيزيائي الصريح (إيف ميشو) إلى الرَمزي الخفي (بورديو)، مع تَأكيد إيريك فروم أنّ العنف ليس قَدَراً طبيعيّاً بل نتاج تَفاعل بين طاقة كامنة وظروف خارجيّة.
هذا التنوّع يَفتح أُفقاً للأَمل: إذا لم يَكن العنف فطريّاً، فهو قابل للحَدّ منه عبر تَغيير الظروف، تَفكيك بُنى الهيمنة الرَمزيّة، ومُحاصَرة وَسائله الفيزيائيّة. لكنّ هذا يَطرح السؤال: مَن يَملك حقّ مُحارَبة العنف بالعنف؟ (المحور الثالث).
إيف ميشو: الأسلحة الذكيّة في الحُروب الحديثة — تَكنولوجيا تَجعل العنف أكثر دقّةً وفَتكاً.
إيريك فروم: العُدوان في المُجتمعات الفقيرة — ليس فطريّاً بل ناتج عن ظروف الإحباط والظُلم.
بورديو: التعليم الذي يَفرض ثقافة الطبقة المُهيمنة كثقافة «شَرعيّة» — عنف رَمزي خَفي.