⌂ الرئيسية 📋 مواضيع امتحانيّة ⚐ المنهجية
⁕ مجزوءة الوضع البشري ⁕ درس التاريخ ⁕ المحور الثاني ⁕

فهم إشكال: «التاريخ وفكرة التقدّم»

هل يَسير التاريخ في خَطٍّ تَصاعدي مُتراكم نحو غاية نهائيّة كما رأى هيجل، أم أنّه يَتقدّم بـقَفزات وَطفرات غير مُتكافئة بين المَجالات كما رأى إدوارد كار وكلود ليفي ستراوس؟ وهل التقدّم كَوني واحد أم تَعدُّدي بحسب الثقافات؟

1

التمييز المفاهيمي

التقدّم الخَطّي

تَصوُّر يَجعل التاريخ خَطّاً تَصاعديّاً مُتّصلاً، تَتراكم فيه الإنجازات نحو غاية نهائيّة. هذا التصوّر — مُستلهَم من عقلانيّة الأنوار — يَفترض أنّ كلّ مرحلة تاريخيّة أعلى من سابقتها، وأنّ ثمّة منطقاً باطنياً يُسيّر التاريخ.

التقدّم بالقَفزات

تَصوُّر يَنفي الخَطّيّة، ويَعتبر أنّ التاريخ يَعرف انقطاعات وانحرافات، وأنّ درجة التقدّم تَختلف من مَجال لآخر (العلوم تتقدّم بسرعة، الأخلاق ببطء). كما يَنفي وُجود غاية كَونيّة، ويَقترح تَعدُّد التواريخ الخاصّة بكلّ مجتمع.

⚑ مثال توضيحي

خَطّي: «العلم يَتقدّم باستمرار، الإنسان أصبح أَكثر عقلانيّة من أَسلافه» — رؤية أنوارية.
بالقَفزات: «التقدّم التقني مَذهل، لكنّه ترافَق مع الحربَين العالميّتَين والقُنبلة الذرّيّة» — نَقد لفكرة التقدّم.

السؤال: هل ثمّة قانون عام يَحكم التاريخ، أم أنّ التاريخ صَدف وأحداث عَرضيّة؟

2

الإشكال المركزيّ

هل التاريخ يَتقدّم بشكل حتمي مُتّصل نحو غاية نهائيّة،
أم بـقَفزات وَطفرات دون منطق كَوني واحد؟
وبعبارة أخرى: هل التقدّم كوني واحد يَنطبق على جميع الشعوب، أم نسبي تَعدُّدي يَختلف بحسب المرجعيّات الثقافيّة؟
3

المواقف الفلسفيّة

الموقف 1 — تقدّم حتمي

التاريخ يَتقدّم نحو غاية نهائيّة

⁕ فريدريك هيجل

يُعبّر هيجل عن فكرة التقدّم كما أَفرزتها العقلانيّة الأنواريّة، التي آمَنت بقدرة العقل البشري على تحقيق الأفضل. التاريخ الحقيقي عنده هو ذاك الذي يَهيمن على الوقائع ويَصوغها ضمن منطقها الداخلي. فالعقل هو جَوهر التاريخ، وهو الذي يَتحكّم في أحداث العالم. كلّ حدَث جَرى وفقاً لمُقتضيات العقل الذي يُمَوضع الأحداث لتَخدم قَصداً مُعيّناً. التاريخ — حسب هيجل — مَنظومة تَطوُّر خاضعة لـمنطق باطني يَسير نحو غاية نهائيّة هي تَجسيد حرّيّة العقل المُطلقة.

«إنّ العقل هو السيّد المُطلق للتاريخ — والتاريخ هو مَسرح تَجلّي الروح في سَيرها نحو الوعي بذاتها»
الموقف 2 — تَعدُّد المسارات

لا يَتقدّم التاريخ بشكل مُتّصل ولا غاية نهائيّة له

⁕ إدوارد كار / كلود ليفي ستراوس

يَنتقد إدوارد كار فكرة التقدّم عند هيجل وماركس، ويَعتبر أنّ هذا التصوُّر شبيهٌ بالفكر اللاهوتي. ويَرى أنّ السيرورة التاريخيّة غالباً ما تَعرف انقطاعات وانحرافات وَتوقُّفات، وأنّ درجة التقدّم ليست واحدة في جميع القطاعات. ويُمكن الحديث عن عدّة تواريخ مُمكنة لكلّ منها منطق خاصّ. أمّا كلود ليفي ستراوس فلا يَرفض التقدّم في ذاته، لكنّه يَنتقد فكرة أنّه يَسير بشكل مُنتظَم ومُتّصل؛ بل يَتمّ على شكل قَفزات وَطفرات، وفي اتّجاهات مختلفة. ويَستحيل وجود معايير كَونيّة لقياس التقدّم خاصّةً في المجالات التي تَطغى فيها أحكام القيمة.

«ما تَراه جهة مَّا تقدُّماً قد يَكون بالنسبة لجهة أخرى انتكاسةً وتَخلُّفاً — لا معايير كَونيّة لقياس التقدّم»
4

التركيب — موقف ناضج

الخلاصة الفلسفيّة

هيجل يَنطلق من الإيمان بالعقل الكوني الذي يَستخدم الأفراد لتحقيق غاياته. هذا التصوّر يُعطي للتاريخ مَعنىً ولكنّه يَنزع عن الأفراد دَورهم. وفي المقابل، ينتقد كار وليفي ستراوس هذا الخَطّيّة الميتافيزيقيّة ويُقدّمان رؤيةً أكثر تَواضعاً ونسبيّة.

التركيب: قد نَقبل بفكرة التقدّم في المَجالات القابلة للقياس (العلم، التقنية)، ونَتحفّظ عنها في المَجالات الأخلاقيّة والثقافيّة. التاريخ لا غاية كَونيّة له مَفروضة من خارج، لكنّ الإنسان يَصنع غايات ضمن المَجالات التي يَختار العَمل فيها.

تطبيقات حيّة على المواقف

هيجل: سَقوط الإمبراطوريّات كلَحظات في مَسرح الروح المُطلَقة — لا تَهدر بل تَخدم غاية أعلى.
كار/ليفي ستراوس: الحربان العالميّتان كَشَفتا أنّ التقدّم التقني لا يَستتبع تقدّماً أخلاقيّاً — التقدّم تَعدُّدي.