يَتّخذ التفسير مكانة مرموقة في العلوم الدقيقة، بل يُشكّل النواة الصُّلبة للعقلنة الطبيعيّة. فهل يُمكن اتّخاذه كمنهج مُلائم لموضوع العلوم الإنسانيّة؟ ألا يَفرض اختلاف موضوع العلوم الطبيعيّة عن موضوع العلوم الإنسانيّة على هذه الأخيرة أن تَبحث عن منهج آخر يُلائمها — وقد يَكون هو الفهم؟
الكَشف عن العلاقات الثابتة بين الحَوادث والوقائع، واستِنتاج أنّ الظَّواهر تَنشأ عنها. يَختزل العالِم الفيزيائي مَجموعة مُعقّدة من الظَّواهر إلى منظومة بَسيطة من العلاقات تُشكّل ترسيمة. يَعتمد على الملاحظة والقياس والتجريب.
إدراك للدلالة المَعيشة تُعطى لنا كتجربة بَديهيّة. نَفهم الأفعال والحَوادث الإنسانيّة بأن نَنقل بصورة حدسيّة إحساساً أو تَقديراً أو انفعالاً. الفهم إدراك مُباشر، لا يَحتاج إلى استدلال أو تَجربة.
تفسير: سُقوط حَجَر يُفسَّر بقانون الجاذبيّة — رَبط الحادث بعلّته الكَونيّة.
فَهم: نَفهم أنّ شَخصاً تَمَّ الاعتداء عليه يَتمَلّكه الغَضب — لا نَفسّر الغَضب بقانون، بل نُدركه بـالبَداهة.
السؤال: هل تَحتاج الظَواهر الإنسانيّة إلى كَلا المنهجَين معاً، أم يُمكن الاكتفاء بأحدهما؟
يَتراوح موقف العقل في الظَّواهر الإنسانيّة بين قُطبَين معرفيَّين اثنَين: الفهم والتفسير. فالتفسير هو كَشف العلاقات الثابتة التي تُوجد بين عدد من الحَوادث والوقائع، واستنتاج أنّ الظَّواهر المَدروسة تَنشأ عنها. إنّه منهج العالِم الفيزيائي الذي يَختزل مَجموعة مُعقّدة من الظَّواهر إلى منظومة بَسيطة من العلاقات. بَيد أنّ الأمر — على خلاف ذلك — في حالة الأفعال والحَوادث الإنسانيّة: فها هنا لا نُفسّر الأفعال، بل نَسعى إلى فَهمها، بمعنى نَرمي إلى أن نَنقل بصورة حدسيّة إحساساً أو تَقديراً أو انفعالاً.
فديدَن علماء النفس وعلماء الاجتماع هو النَّزع إلى اختزال صياغاتهم الصوريّة للوقائع، ومهما كان موقف الفهم مَشروعاً ولا مَحيد عنه، فإنّه يَضع عائقاً جَسيماً أمام فَعالية العقل في العلوم الإنسانيّة — وذلك أنّ المعرفة التي تَتأسّس على الفهم فقط هي معرفة مُسرفة في مُقتضياتها ومَطالبها ومُقصّرة فيها بآن واحد.
إنّنا نَفهم بَعض الحَوادث بالبداهة. فنحن، مثلاً، نُدرك بشكل بَديهي أنّ الشخص — كما يقول كارل ياسبرز — الذي تَمَّ الاعتداء عليه يَتمَلّكه الغَضب. وإذا لَمحنا شخصاً يَرفض أمراً ما، تَبيّنا رَفضه من إيماءاته. فالخاصّية المُميِّزة لظاهرة «الفهم» هي البَداهة والوُضوح.
إنّ الفهم هو إدراك لدلالة مَعيشة تُعطانا كتجربة بَديهيّة. والفهم — بالمعنى الذي نُشير إليه — هو دوماً فَهم لَوضعيّة وُجوديّة ووجدانيّة، فنَحن نَستطيع تَفَهُّم ما أو فَهم تَطوُّرها. ويُخالف العلاقات القابلة للفَهم العلاقات التفسيريّة التي تَقوم على الاعتقاد بصحّة جُملة من الطرائق والإجراءات الموضوعيّة. الفهم بداهة مُباشرة، في حين أنّ التفسير هو تَبرير أو تَعليل حُدوث ظاهرة ما بافتراض ظاهرة أخرى.
غرانجي يُؤكّد أنّ التفسير والفهم مُتكامِلان في العلوم الإنسانيّة: التفسير يَكشف العلاقات السببيّة بين الحَوادث الإنسانيّة، والفهم يَستخلص الدلالات والقيم. الاكتفاء بأحدهما يَترك المَعرفة مُسرفة أو مُقصّرة.
أمّا مونرو فيَنحاز للفهم كـقيمة أساسيّة في استخلاص المعاني من التجارب الوُجوديّة المُباشرة، ضدّ النزعة الوضعيّة التي تَختزل الظَواهر الإنسانيّة في «أشياء». كتابه «الوقائع الاجتماعيّة ليست أشياء» رَدّ مُباشر على دوركايم.
التركيب: العلوم الإنسانيّة تَجمع بين المنهجَين بقَدر ما تَستطيع: تُفسّر ما يَقبل التفسير (الإحصاء، البِنى)، وتَفهم ما لا يُمكن إلّا أن يُفهَم (المَقاصد، الدلالات). والرهان الصَعب هو كيفيّة المُزاوجة بينهما.
غرانجي: دراسة ظاهرة الانتحار — تُفسَّر بالإحصاء وعَوامل التماسك، وتُفهَم بمعنى اليأس والمَعنى المفقود.
مونرو: فَهمنا للغَضب المُباشر — لا يَحتاج إلى نَظريّة في علم النفس بل إلى البَداهة الوُجوديّة.