⌂ الرئيسية 📋 مواضيع امتحانيّة ⚐ المنهجية
⁕ مجزوءة الأخلاق ⁕ درس الحرية ⁕ المحور الأول ⁕

فهم إشكال: «الحرّيّة والحتميّة»

كلّ إنسان يَشعر أنّه حُرّ في اختياراته، لكنّ العلوم تَكشف أنّ أفعاله مَحكومة بـقوانين حتميّة (بيولوجيّة، نفسيّة، اجتماعيّة). فهل الحرّيّة وَهم تُلغيه الحتميّة؟ أم أنّها تَتعايش مع الحتميّة في توازن دقيق كما رأى ابن رشد وميرلوبونتي؟

1

التمييز المفاهيمي

🕊

الحرّيّة

قُدرة الإنسان على الاختيار بين إمكانيّات مُتعدِّدة، والتصرُّف وَفقاً لإرادته دون إكراه. الحرّيّة المُطلَقة تَفترض أنّ الفعل لا تَحكمه قوانين سابقة. وهي الشَّرط الأساسي للمسؤوليّة الأخلاقيّة.

الحتميّة

القانون الذي يَجعل كلّ فعل ضرورة تَنتج عن أسباب سابقة. الحتميّة قد تَكون فيزيائيّة (قوانين الطبيعة)، بيولوجيّة (الوراثة)، نفسيّة (اللاشعور)، أو اجتماعيّة (التنشئة). إن صَحَّت الحتميّة المُطلقة، فأين الحرّيّة؟

⚑ مثال توضيحي

الحرّيّة: أن تَختار مسار حياتك بإرادتك المُستقلَّة.
الحتميّة: أن تَكون ميولك مَحكومةً بوراثتك وبيئتك وتاريخك دون أن تَدري.

السؤال: هل الحرّيّة والحتميّة مُتنافيتان، أم أنّ بينهما توازناً يَجعل الإنسان حُرّاً ضمن شروط مُعطاة؟

2

الإشكال المركزيّ

هل الحرّيّة نقيض للحتميّة،
أم أنّ بينهما توازناً يَجعل الإنسان حُرّاً نسبيّاً؟
وبالتالي: هل أنا حُرّ فعلاً، أم أنّ حرّيّتي وَهم تُخفيه القوانين الحتميّة المُتحكِّمة في فعلي؟
3

المواقف الفلسفيّة

الموقف 1 — التوازن

التوازن بين الحرّيّة والحتميّة

⁕ أبو الوليد ابن رشد

الحرّيّة — في نظر ابن رشد — لا يُمكن فصلها عن الحتميّة. فالإنسان له قدرة وإرادة يَستطيع بهما فعل الخير والشرّ وباقي الأضداد، ولكنّه في نفس الوقت محكومٌ بضرورات مثل قوانين الطبيعة وقُوى الجسد المخلوقَين من طرف الله. وهكذا لا يُمكن تَصوُّر الفعل الإنساني — حسب ابن رشد — حُرّاً بشكل مُطلَق، ولا مُقيَّداً بشكل مُطلَق، إنّه فعل يَتركَّب من حرّيّة الاختيار والقدرة والإرادة، إلّا أنّه مَحدود بقدرات البَدَن ومَشروط بقوانين الطبيعة.

«الفعل الإنساني لا حُرّ بإطلاق ولا ضروري بإطلاق — بل هو تركيب بَيْن إرادة الاختيار وقوانين الطبيعة»
الموقف 2 — الحرّيّة النسبيّة

الحرّيّة النسبيّة

⁕ موريس ميرلوبونتي

إذا كان التفكير المَوضوعي يَذهب إلى أنّ أفعالنا تَأتي بالضرورة من الخارج (فلا وجود للحرّيّة)، والتفكير التأمّلي يُقرّ بأنّها تَنبع من الداخل (فحرّيّتنا مُطلَقة)، فإنّ ميرلوبونتي يَعتبر أنّ الحرّيّة عند الإنسان حرّيّة نسبيّة. لأنّ التعرُّف على نظام الظواهر يُبيّن أنّنا مُندمجون مع العالم والغير اندماجاً وثيقاً لا يَنفصل. وبناء عليه، فإنّ الوَضعيّة التي نَكون فيها تُلغي الحرّيّة المُطلَقة، لكنّها تُتيح للإنسان تَعديلات إراديّة واعية على وَضعه المُعطى.

«الحرّيّة لا تُمارَس في فراغ، بل في وَضعيّة — والإنسان حُرّ في تَعديل وَضعيّته، لا في الانفلات منها»
4

التركيب — موقف ناضج

الخلاصة الفلسفيّة

الموقفَان يَلتقيان في رَفض التطرُّف: لا حُرّيّة مُطلَقة كما يَدَّعي التأمُّليّون، ولا حتميّة مُطلَقة كما يَدَّعي الموضوعيّون. الحرّيّة نسبيّة ومَشروطة، لكنّها حقيقيّة.

ابن رشد يَستند إلى تَوازن لاهوتي–فلسفي (الإرادة + قوانين الله)، وميرلوبونتي إلى توازن فينومينولوجي (الذات + الوضعيّة). كلاهما يَرى الإنسان كائناً مُتموضعاً، حُرّاً في تَعديل وَضعيّته لا في إلغائها.

تطبيقات حيّة على الموقفَين

ابن رشد: اخترتَ مهنة الطبّ — اختيارك حُرّ، لكنّك مَحدود بقُدرات بَدنك ومَوهبتك.
ميرلوبونتي: وُلدتَ في بلد فقير — لم تَختر ذلك، لكن يُمكنك تَعديل وَضعك بالعَمل والإرادة.