إذا كانت السعادة غاية شخصيّة والواجب إلزاماً قد يَتعارض معها أحياناً، فهل بينهما تَعارض أم تَكامل؟ هل السعادة واجب اتجاه الذات كما رأى آلان، أم واجب اتجاه الغير كما رأى راسل؟ هذه الخطاطة تَكشف جَدليّة الذات والآخر في إنتاج السعادة.
تَصوُّر يَرى السعادة هَدفاً شخصيّاً يَطلبه الفرد لذاته. كلّ إنسان حُرّ في تَعريف سعادته. لكن هذا التصوُّر قد يَؤدّي إلى أنانيّة مَفرطة: «سعادتي أوّلاً، ولو على حساب الآخرين». التساؤل: هل السعادة حقّ فقط، أم واجب أيضاً؟
تَصوُّر يَرى السعادة التزاماً أخلاقيّاً. واجب اتجاه الذات: أن نَكون سعداء فلا نَنشر التَّعاسة. واجب اتجاه الغير: أن نَسعى لإسعادهم. السعادة هنا فعل أخلاقي، لا مُجرَّد شعور خاصّ.
كحقّ: «أَستحقّ أن أكون سعيداً» — تَصوُّر فردي يُركّز على الذات.
كواجب: «يَجب أن أكون سعيداً لكي لا أَجرح من حَولي بتَعاستي» — تَصوُّر علائقي.
السؤال: هل سعادتي شأن خاصّ، أم هي مَسؤوليّة تُجاه ذاتي وتُجاه الغير في آنٍ معاً؟
ليس من الصَّعب تَحقيق سعادة الآخرين — في نظر راسل — إذ يَكفي محاولة التقرُّب منهم بمَوَدَّة تلقائيّة للتعرُّف على الغير، وفَهم تفرُّده وخصوصيّته، وهذا ما يُشكّل مصدر إسعاد الغير، وبالتالي تَحقيق سعادة الذات. ننتقل مع راسل من تَصوُّرات تَشترط السعادة بتَحقيق الرغبات أو إقصائها، إلى تَصوُّر يَربطها بالممارسة والفعل.
تَكون السعادة مُمكنة — في نظر آلان — عندما تَتوفَّر لدى الإنسان إرادة طلبها، وتُصبح واجباً تُجاه الذات والآخر. لا يَكون باستطاعته إسعاد غيره إلّا إذا منح السعادة لذاته. فمن السهل على المرء أن يَكون مُستاءً، كما من السهل عليه أن يَرفض ما تُقدّمه الحياة من عطايا. وبالمُقابل، من السهل أن يَصنع من أشياء قليلة وبسيطة مَظاهر السعادة.
الموقفَان لا يَتعارضان، بل يَتكاملان في حلقة فاضلة: راسل يَرى أنّ سعادة الذات تَمرّ عبر إسعاد الغير، وآلان يَرى أنّ إسعاد الغير لا يُمكن إلّا من ذات سعيدة. هكذا تَصبح السعادة دائرة لا نُقطة.
وإنّ إدراج السعادة في حقل الواجب يَمنحها بُعداً أخلاقيّاً: لم تَعُد شعوراً خاصّاً عابراً، بل قيمة أخلاقيّة تُوجّه تَصرّفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.
راسل: المُتطوّع في عَمل إنساني يَنال سعادةً لم يَكن يَتوقَّعها — إسعاد الغير أَسعدَه.
آلان: الابتسامة الإراديّة في وَجه صباح صَعب — السعادة فعلٌ، لا انتظار.