إذا كانت السعادة غاية الإنسان، فهل يُمكن بلوغها؟ أم أنّ السعي وراءها — كما قال روسو — هو عين الشقاء لأنّ الرغبات تَتجاوز القدرات؟ أم أنّ الإنسان يَستطيع تَحقيقها عبر الجمال والإبداع كما رأى هيوم؟ هذه الخطاطة تَكشف جَدليّة السعي والمنال.
هو حركة دائمة نحو هدف غير مُتحقِّق بعد. السعي يَفترض توتُّراً بين الذات وما تَتوق إليه، ويُولّد طاقة لكنّه أيضاً يَجلب القَلق. السؤال: هل السعي وَسيلة للسعادة، أم بَديل عنها يَمنع تَحقُّقها؟
تَحقُّق الهدف الذي كان يُسعى نحوه. لكن — في حالة السعادة — هل البلوغ مُمكن؟ كلّ بلوغ يَفتح أُفقاً جديداً من السعي، فتَبقى السعادة أُفقاً يَتزحزح كلّما اقتربنا منه.
السعي: الطالب الذي يَسعى لِشهادة عُليا — يُؤجِّل سعادته لِما بعدها.
البلوغ: الفنّان الذي يَنغمس في عمل فنّي — يَجد سعادته في الإبداع ذاته.
السؤال: هل السعادة في السير أم في الوصول؟ وهل الإنسان مَحكوم بالشقاء لأنّ رغباته تَتجاوز قدراته؟
أكَّد روسو أنّ على الإنسان ليَبلغ غايته أن يُحقّق معادلة مُتكافئة بين رغباته وقدراته. إلّا أنّها معادلة لم تَكن مُمكنة إلّا في حالة الطبيعة، حيث كانت الرغبات بسيطة ومَقدوراً عليها. أمّا في حالة التمدُّن، فقد تَطوَّرت الرغبات وتَجاوزت قدراته، وعليه فإنّ السعي وراء السعادة إنّما هو في الحقيقة سعي وراء الشقاء.
الإنسان لم يُبدع فقط أسباب الشقاء، وإنّما أَبدع أيضاً إمكانات الاقتراب من تَحقيق سعادته. بإمكانه أن يُحقِّق ذلك اعتماداً على إبداعاته الفنّيّة (الموسيقى، الرسم، الشعر). فإذا كان يَملك ذوقاً رهيفاً، وعَمل على تهذيب هذا الذوق، أَمكنه التخفيف من التوتُّر والألم والاقتراب من السعادة ممّا تُقدِّمه الأعمال الفنّية من جمال ورِقّة.
الموقفَان يَكشفان مفارقة الإنسان المُتمدِّن: روسو يَرى أنّ التمدُّن جَلَب الشقاء بتَكثير الرغبات، وهيوم يَرى أنّ نفس التمدُّن يُتيح وَسائل لتَخفيف هذا الشقاء بالفنّ والجمال.
والحلّ الأنضج يَكمن في إعادة التوازن بين الرغبات والقدرات (روسو)، مع الانفتاح على الجمال الذي يَرفع الذات إلى أُفق أرحب (هيوم). لا انكفاء إلى حالة الطبيعة، ولا انغماس في رغبات لا تَنتهي.
روسو: المُستهلك الذي يَلهث وراء كلّ مَوضة جديدة — رغباته تَكبر أسرع من قدراته، فيَزداد شقاءً.
هيوم: الموسيقى التي تُخفّف الحُزن في لحظات الكآبة — الجمال يُداوي ما لا يُداويه العقل.