هذا المحور يطرح أقدم سؤال في الفلسفة — من أنا؟ — لكن بصياغة دقيقة. ليس سؤالاً وجودياً غامضاً، بل بحث دقيق عن العنصر الثابت الذي يجعلني «أنا» رغم كل التغيرات. هذه الخطاطة تفكّك الإشكال خطوة بخطوة حتى تصل إلى الأطروحات الثلاث المقررة.
قبل طرح الإشكال، يجب أن نميّز بين مصطلحين متشابهين في الاستعمال لكنهما مختلفان فلسفياً:
هو الفرد بكل ما فيه — مجموع السمات المميزة: الجسم، العقل، المشاعر، الذاكرة، السلوك، العلاقات... الشخص كيان نفسي-اجتماعي متشابه مع الآخرين ومتميز عنهم في الوقت ذاته. هو «أنا» بكل أبعادي.
هي ما يبقى ثابتاً في الشخص رغم تغيراته. الجسم يتغير، المشاعر تتبدل، المعارف تتطور... فما الذي يبقى «هو هو» ويجعل طفلاً بالأمس شيخاً اليوم هو الشخص نفسه؟ الهوية إذن هي نواة الشخص الثابتة.
انظر لصورة لك وعمرك 5 سنوات. جسمك تغير كلياً، خلاياك تبدلت، معارفك ومشاعرك اختلفت. ومع ذلك تقول: «هذا أنا». ما الذي يجعلك واثقاً من ذلك؟ ذلك الشيء الثابت هو الهوية. الشخص هو الحزمة كلها، الهوية هي الخيط الذي يربط حلقاتها.
بعد التمييز بينهما، السؤال الجوهري يصبح: ما الذي يشكل تلك النواة الثابتة في الشخص؟ ما العنصر الذي إذا تغير، قلنا إن الشخص «فقد هويته»؟
تخيّل أن ذاكرتك مُحيت فجأة. وتخيّل أن عقلك توقف عن التفكير. وتخيّل أن جسمك تحوّل كلياً. هل سيبقى شيء ما يجعلك «أنت»؟
هذا هو إشكال المحور الأول: ما هي النواة الصلبة للهوية؟ أين توجد؟ هل في الفكر أم في الشعور أم في الإرادة؟
الفلاسفة المقرَّرون يقدمون ثلاث إجابات مختلفة — كل واحدة تضع النواة في مكان مختلف:
الإنسان «شيء مفكر» (res cogitans). الوعي هو أساس كل يقين، والفكر لا ينفصل عن الوجود. «طريقة التفكير» هي ما يميز شخصاً عن آخر.
الكائن البشري يعرف أنه يفكر لأنه يشعر أنه يفكر. الهوية تمتد مع امتداد الشعور — كلما وصل الشعور إلى أفعال ماضية، اتسعت الهوية لتشملها.
الفرد يكبر ويشيخ لكنه يحسّ في أعماقه أنه «لا يزال هو هو». الجسم يتغير، الذاكرة تمحى، العقل قد يتعطل — لكن إرادة الحياة تصمد.
هكذا يتطور النقاش داخل المحور الأول — من الانطلاقة الديكارتية إلى النقد الشوبنهاوري:
شخص مصاب بألزهايمر متقدم. نسي اسمه، نسي أبناءه، لم يعد يتعرف على زوجته. ذاكرته محيت كلياً، وتفكيره تراجع جداً.
ديكارت: فقد هويته تقريباً — تفكيره تراجع، ومع الفكر تضيع الذات المفكرة.
لوك: فقد هويته فعلاً — الهوية عنده تمتد بامتداد الشعور والذاكرة. بلا ذاكرة، تنقطع الهوية.
شوبنهاور: لا، لم يفقد هويته! ما زال يريد ويرغب ويحبّ (حتى دون أن يعرف من يحب). الإرادة العميقة ما زالت فيه، وهي جوهر الهوية. ولهذا نستمر في معاملته كشخص كريم لا كشيء.
شخص نائم نوماً عميقاً، أو في غيبوبة. لا يفكر بوعي، ولا يشعر بنفسه، ولا يستحضر ذكرياته.
ديكارت: إشكال حقيقي عنده — إذا «أنا أفكر إذن أنا موجود»، فحين لا أفكر، هل أتوقف عن الوجود؟ يُضطر لإضافة افتراضات.
لوك: الهوية تتواصل لأن الشعور يعود حين يستيقظ، والذاكرة تربط النومات بالحياة اليومية.
شوبنهاور: الجواب الأقوى — الإرادة لا تنام. حتى وأنت نائم، جسمك يتنفس ويريد الحياة. الهوية سليمة لأن جوهرها الإرادة لا العقل.
تنظر لصورتك وعمرك 5 سنوات. كل خلايا جسمك تغيرت، معظم ذكرياتك من تلك السن ضاعت، طريقة تفكيرك اختلفت جذرياً.
ديكارت: لأنك مستمر كـ«شيء مفكر» (رغم تطور أفكارك).
لوك: لأن هناك سلسلة شعور ممتدة — كل لحظة ربطتك باللحظة التي قبلها، وكذلك وصلت اليوم.
شوبنهاور: لأن الطفل الذي في الصورة كان يريد ويرغب ويخاف، وأنت اليوم ما زلت تريد وترغب وتخاف. الإرادة هي الجسر الممتد بين الطفل والرجل.
درس الشخص فيه ثلاثة محاور متكاملة. لا تخلط بينها:
م1 يسأل: «ما الشخص؟» → جوابه: فكر، شعور، إرادة.
م2 يسأل: «كم يساوي الشخص؟» → جوابه: غاية في ذاته، أو قيمة بالجماعة.
م3 يسأل: «هل الشخص حر؟» → جوابه: بين حتميات اللاشعور وحرية المشروع.
م1 سؤال الماهية — م2 سؤال القيمة — م3 سؤال الحرية
حين يسألك السؤال عن «هوية الشخص»، هو يطلب منك البحث عن العنصر الثابت الذي يصنع استمرارية الشخص رغم تغيراته — لا الحديث عن الشخص بشكل عام.
ابدأ بديكارت: الإنسان جوهرياً «شيء مفكر». ما يميزني عن غيري هو طريقة تفكيري. «أنا أفكر إذن أنا موجود». الفكر أساس اليقين الذاتي.
هنا تنقل النقاش — لا يكفي الفكر، نحتاج الشعور بالفكر. وهذا ما يفتح الباب لموقف لوك.
الهوية ممتدة عبر الشعور الذي يمتد بدوره عبر الذاكرة. الماضي يربط بالحاضر من خلال شعوري المستمر بأفعالي.
هنا تدخل المعطيات العلمية (ألزهايمر، إصابات الدماغ) كإشكال لموقف لوك. إذا فقد الشخص ذاكرته، فهل فقد هويته؟ معظم الناس يقولون «لا» — فلا بد من أساس أعمق.
النواة الأعمق هي الإرادة — ما نريد ولا نريد. تصمد حين ينهار الفكر (إصابة) وحين تمحى الذاكرة (نسيان). الإرادة هي «أنا» العميقة، ما وراء الوعي والعقل.
الخطأ الشائع في هذا المحور هو الاكتفاء بسرد المواقف دون إبراز الانتقال المنطقي من واحد إلى آخر. تذكر أن المواقف الثلاثة ليست خيارات مستقلة، بل سلسلة نقدية متدرجة:
• ديكارت يضع الأساس (الفكر)
• لوك يعترض ويعمّق (الشعور والذاكرة أسبق من الفكر)
• شوبنهاور يهدم الاثنين (الذاكرة تتعطل، والفكر يفشل، فماذا يبقى؟ الإرادة)
إذا أظهرت هذا التدرّج النقدي في إنشائك، فأنت لا «تسرد» بل «تفلسف». وهذا ما يجلب النقطة الكاملة.
الجمل المفاتيح للحفظ:
❶ «أنا أفكر إذن أنا موجود» (ديكارت)
❷ «الشعور الذي يرافق أفعالنا يجعلنا ندرك أننا نحن أنفسنا» (لوك)
❸ «هوية الشخص تتمثل في الإرادة — فيما نريد أو لا نريد» (شوبنهاور)