كيف يَتَوَلَّد العنف في التاريخ البشري؟ هل هو نتاج الصراع الطَبَقي حَول وَسائل الإنتاج (ماركس)، أم نتاج تَنافُس الرَّغبات والمُحاكاة (جيرار)، أم أصلٌ ثُلاثيّ في الطبيعة البشريّة (هوبز): التنافس والحَذَر والكِبرياء؟
العنف النابع من البِنى الاجتماعيّة: تَفاوُت الطبقات، تَوزيع الثَّروة، صراع المَصالح. هذا النوع بِنيوي، لا يَنتج عن ضَغينة فرديّة، بل عن تَناقضات ماديّة داخل المُجتمع. يَتجلّى في الإضرابات، الثورات، الحُروب الأهليّة.
العنف النابع من العلاقات الإنسانيّة: التنافس على نَفس الأهداف، الغَيرة، الكِبرياء، الرَّغبة في الاعتراف. هذا النوع أنثروبولوجي، يَتعلّق بطبيعة الإنسان بوصفه كائناً اجتماعيّاً يَرى ذاته من خلال الآخرين.
اجتماعي: الثورة الفرنسيّة — صراع بين الطبقات الثلاث حَول السلطة والثروة.
عَلائقي: حَرب الوُرّاث في عائلة — تنافس على إرث رَمزي قبل أن يَكون مادّيّاً.
السؤال: هل العنف قَدَر تاريخي ناتج عن قوانين موضوعيّة، أم ظاهرة عَلائقيّة يُمكن تَفكيكها بفَهم آليّاتها؟
يَتحدّد وُجود كلّ مُجتمع بَشري — حَسب ماركس — بوُجود صراع بين طَبقتَين اجتماعيّتَين: الأُولى تَملك وسائل الإنتاج والأرض، والثانية لا تَملكها. وذلك مُنذ أَقدم المُجتمعات البشريّة وأكثرها بدائيّة، إلى المُجتمعات الرأسماليّة المُتطوّرة. صراع الطَّبقات الاجتماعيّة يُمكن أن يَتخذ أشكالاً فرديّة لاواعية، كما قد يَتّخذ طابع صراع نَقابي أو سياسي أو إيديولوجي واضح المعالم. ومنذ العُصور التاريخيّة الأُولى كان المُجتمع مُقسَّماً إلى طبقات مُتمايزة (سادة وعبيد، نُبَلاء وحرفيّون)، وأصبَح الصراع في المُجتمع الرأسمالي بين البرجوازيّة والبروليتاريا.
يَرى رينيه جيرار أنّ أساس العنف هو تَنافس الرَّغبات. الرَّغبات الإنسانيّة تَخضع لـقانون المُحاكاة: نَرغب فيما يَرغب فيه الآخرون. «كلّما كانت رَغبة الآخرين قَويّة وشديدة كانت رَغبتي أنا أيضاً قَويّة وشديدة، يَنتج عن ذلك احتمال انْدلاع العنف». الصراع الإنساني يَتولَّد عن تَنافُس بين الرغبات. وإذا صَحَّ أنّ الرَّغبات تَتشكّل عبر المُحاكاة، فإنّ العنف سيَكون مُعدياً ينتشر في الجماعة من فرد إلى آخر. ودَواء هذا المرض المُعدي هو القَتل — وَهنا تَنشأ آليّة «كَبش الفِداء» التي يَدرسها جيرار.
يَرى توماس هوبز أنّ مَصدر العنف ثُلاثيٌّ في الطبيعة البشريّة، يَتمثّل في:
• التَّنافس: يَجعل الهُجوم وَسيلة لتحقيق المنفعة.
• الحَذَر: يَجعل الهُجوم وَسيلة لـالأمن.
• الكِبرياء: يَجعل الهُجوم وَسيلة لحماية السُمعة.
هذه الأَسباب الثلاثة تُوجد في الطبيعة الإنسانيّة، وهي ما يَجعل الإنسان في «حالة الطبيعة» ذِئباً للإنسان. الخُروج من هذه الحالة لا يَتمّ إلّا بالتَعاقُد الاجتماعي الذي يَنقل احتكار العنف إلى الدولة (المحور الثالث).
كما يُشير محمّد أركون إلى الأَركان الثلاثة لكلّ تُراث: العنف والتَّقديس والحقيقة — الحقيقة المُقدَّسة تَستحقّ أن يُسفك من أجلها دَم.
الثلاثة مَوقف تَكشف تَعدُّد جُذور العنف: ماديّة اقتصاديّة (ماركس)، عَلائقيّة رَغبيّة (جيرار)، أنثروبولوجيّة فطريّة (هوبز). لا تَتعارَض هذه التَفسيرات بل تَتكامَل: العنف ظاهرة مُعقّدة لا تَخضع لتَفسير وَحيد.
أيّاً كانت الجُذور، يَبقى السؤال الحاسم: كيف نَتعامل مع العنف؟ هل نَتجاوزه بتَغيير البِنى الاجتماعيّة (الحلّ الماركسي)، أم بِتفكيك آليّات المُحاكاة (الحلّ الجيراردي)، أم بالتعاقُد الاجتماعي الذي يُحتكر العنف للدولة (الحلّ الهوبزي)؟ — وهذا يَنقلنا إلى مَسألة المَشروعيّة.
ماركس: الثورات العُمّاليّة في القرن 19 — صراع طبقي مَفهوم تاريخيّاً.
جيرار: ظاهرة الموضة والاستهلاك التَنافسي — رَغبات مَحاكَاتيّة تُولّد الإحباط والعنف.
هوبز: الحُروب الأهليّة في الدُّول الفاشلة — انهيار التعاقُد يَكشف الإنسان «ذئباً».