هل بإمكان المؤرّخ أن يَسرد ما جرى فعلاً في الماضي؟ المعرفة التاريخيّة تَطرح إشكالاً مزدوجاً: موضوع لم يَعد له وُجود، وذاتٌ مُؤرّخة تَختلط بهواجس الحاضر. فهل المنهج نقدي صارم (ابن خلدون) كافٍ، أم نَحتاج إلى منهج التعاطف (هنري مارّو) لِنُدرك المعنى من الداخل؟
هو ما جرى فعلاً ولم يَعد له وجود في الحاضر. لا يَبقى منه إلّا آثار ووثائق: نصوص، مَخطوطات، أبنية، شهادات. الماضي إذن واقع تَمّ، لا يُمكن رؤيته، بل فقط إعادة بنائه عبر هذه الآثار.
المعرفة العلميّة التي يُنتجها المؤرّخ من خلال دراسة الآثار. التاريخ ليس الماضي ذاته، بل إعادة بناء له من خلال مَنهج وَتأويل. وهذا ما يَجعله مَعرفةً نسبيّة ومُتحرّكة تَتغيّر بتغيّر المؤرّخين والأسئلة.
الماضي: معركة بَدر كما جَرت سَنة 2 هـ — حدثٌ مَضى ولا يُمكن استرجاعه.
التاريخ: كتابات الواقدي والطبري وابن إسحاق عن المعركة — كلّ مؤرّخ يَنحت سَرديّته.
السؤال: هل يَستطيع المؤرّخ تَجاوز ذاتيّته ليَبلغ المَوضوعيّة، أم أنّ المعرفة التاريخيّة محكومة دوماً بحاضر المؤرّخ؟
يُميّز ابن خلدون بين ظاهر التاريخ وباطنه: ظاهره مُجرَّد سَرد وحكي عن وقائع الماضي، أمّا باطنه فهو الكشف عن أسباب حدوث تلك الوقائع بعد أن تَخضع للتمحيص والنقد العقلي. وغاية التاريخ هي الاستفادة منه في الحاضر. لذلك يَدعو ابن خلدون إلى أخذ الحيطة ممّا يُروى، وإلى تَأسيس المعرفة التاريخيّة على منهج نقدي يَعتمد قواعد ومبادئ مُستمدّة من طبيعة الاجتماع البشري.
إذا كان المنهج النقدي يُوفّر الشروط المَوضوعيّة للمعرفة التاريخيّة، فإنّ هنري مارّو يَرى أنّه يَلزم أيضاً إضافة ما سَمّاه الشروط الذاتيّة لفَهم الماضي بشكل أفضل. فعلى المؤرّخ أن يُمارس نوعاً من التعاطف، ويَربط صداقةً مع المَوضوع التاريخي حتّى يَتمكّن من النفاذ إلى أحداث الوعي — أي الأفكار والمشاعر التي صاحَبت الفاعلين التاريخيّين. والرهان هو تحقيق «ذاتيّة موضوعيّة» تُناسب طبيعة المعرفة التاريخيّة.
الموقفَان يَلتقيان في رَفض الاختزال: ابن خلدون يَرفض السَّرد الساذج للأخبار دون نَقد، ومارّو يَرفض المَوضوعيّة الجافّة التي تُفرغ التاريخ من معناه الإنساني.
التركيب الأنضج هو المزاوجة بين المنهجَين: النقد لِتحقيق الأخبار وتَنقيتها من الأوهام (ابن خلدون)، والتعاطف لِفَهم دلالات الأفعال ومَقاصد الفاعلين (مارّو). فالمعرفة التاريخيّة لا هي علم تجريبي صارم ولا هي فنّ ذاتي خالص، بل معرفة وَسط تَجمع بين دقّة العالم وحَدس الفنّان.
ابن خلدون: نَقد مَرويّات الإسرائيليّات في كتب التاريخ — قياسها على طبيعة الاجتماع البشري.
مارّو: دراسة حضارة معيّنة من خلال التعاطف مع نَصوصها — قراءة أوغسطين بِعَين قارئٍ مُسيحي.