⌂ الرئيسية 📋 مواضيع امتحانيّة ⚐ المنهجية
⁕ مجزوءة الوضع البشري ⁕ درس التاريخ ⁕ المحور الثالث ⁕

فهم إشكال: «دور الإنسان في التاريخ»

هل الإنسان صانعٌ للتاريخ بإرادته الواعية، أم أنّه مَصنوعٌ بفعل قوى أكبر منه (العقل الكوني عند هيجل، البِنية الاقتصاديّة عند ماركس)؟ هذه الخطاطة تَكشف الجدل بين الحتميّة التاريخيّة وحرّيّة الفاعل التاريخي.

1

التمييز المفاهيمي

الحتميّة التاريخيّة

تَصوُّر يَجعل التاريخ خاضعاً لـقوانين ضروريّة تَتجاوز إرادة الأفراد. هذه القوانين قد تَكون مِثاليّة (روح العصر عند هيجل) أو ماديّة (نَمط الإنتاج عند ماركس). الأفراد — حتّى العُظَماء منهم — مُجرَّد أدوات لتحقيق هذه القوانين.

حرّيّة الفاعل

تَصوُّر يُؤكّد دَور الإنسان الواعي والإرادي في صُنع التاريخ. حتّى ضمن شروط مُعطاة، يَبقى الإنسان الفاعل الحقيقي. هو لا يَختار ظروفه، لكنّه يَختار كيف يَستجيب لها ويُغيّرها — وهذا ما يَجعله صانعاً لتاريخه.

⚑ مثال توضيحي

حتميّة: الثورة الفرنسيّة كانت نتيجة تَناقضات اقتصاديّة ناضجة — كانت ستَحدث بفاعلين آخرين لو غاب روبسبيير.
حرّيّة: غاندي اختار اللاعنف طريقاً لتحرير الهند — لم تَكن النتيجة حتميّة، بل صَنيعة قراره.

السؤال: إلى أيّ حدٍّ نَصنع تاريخنا، وإلى أيّ حدٍّ يَصنعنا التاريخ؟

2

الإشكال المركزيّ

هل الإنسان صانع للتاريخ بإرادته الحرّة،
أم أَداة في يَد قوانين تاريخيّة تَتجاوز وعيه؟
وبالتالي: إذا كانت العَوامل المَوضوعيّة تَتحكّم في الصيرورة، فأين موقع الحرّيّة والمسؤوليّة؟
3

المواقف الفلسفيّة

الموقف 1 — الحتميّة

الحتميّة التاريخيّة (المثاليّة والماديّة)

⁕ هيجل / كارل ماركس

هيجل يَرى أنّ تاريخ العالم هو مُجرَّد تَمَظهُر لِسعي الروح نحو معرفة ذاتها. السيرورة التاريخيّة تَخضع لِحتميّة صادرة عن الروح الكوني. وأبطال التاريخ مُجرَّد أدوات تُحقّق الروح من خلالهم أهدافها — لكلّ حقبة روح العصر الخاصّ بها.

أمّا ماركس فقد استبدل الحتميّة المثاليّة بـحتميّة ماديّة: المُمارَسة الماديّة المُتمثّلة في نَمط الإنتاج السائد هي التي تَتحكّم في وعي الناس وتُوجّه أحداث التاريخ. كلّ أشكال الوعي (دينيّة، سياسيّة، فنّيّة) هي نتاج لعلاقات الإنتاج. الصراع الطبقي هو مُحرّك التاريخ.

«ما يَصنع التاريخ ليس وَعي الأفراد، بل عَوامل ماديّة واجتماعيّة تَتجاوز حرّيّاتهم وتَشرط وَعيهم» (ماركس)
الموقف 2 — حرّيّة الإنسان

حرّيّة الإنسان في صُنع التاريخ

⁕ جان بول سارتر

قَدَّم سارتر قراءة وُجوديّة للماركسيّة: الفلسفة الماركسيّة هي فلسفة تَدعو إلى التحرُّر والانعتاق. ويَعتبر أنّه إذا كان الناس يَتحرّكون ضمن شروط واقعيّة سابقة على وُجودهم، فإنّهم مع ذلك هم الذين يَصنعون تاريخهم، ولا يُمكن اعتبارهم مُجرَّد أدوات فاقدة للوعي. وإذا كانت فِئة لا تَصنع التاريخ في ظَرفيّة مُعيّنة، فإنّ فِئة أخرى تَصنعه. الإنسان يَظلّ الفاعل الحقيقي للأحداث، رغم وُقوعه ضحيّة الاستغلال. التاريخ نتاج للفاعليّة البشريّة التي تُحقّق من خلاله مَشروعها الخاصّ.

«الإنسان يَصنع التاريخ ضمن شروط لم يَختَرها — لكنّه هو من يَختار كيف يَستجيب لها ويُغيّرها»
4

التركيب — موقف ناضج

الخلاصة الفلسفيّة

الحتميّة التاريخيّة (هيجل/ماركس) تَكشف القُيود المَوضوعيّة التي تُحدّد فضاء الفعل. وحرّيّة الفاعل (سارتر) تَكشف إمكان التَجاوز لهذه القيود. الموقفان ليسا مُتعارضَين بقَدر ما هما مُتكامِلان.

التركيب الأنضج هو ما عَبّر عنه ماركس نَفسه: «الناس يَصنعون تاريخهم، لكنّهم لا يَصنعونه كيفما يَشاؤون، بل ضمن ظروف يَجدونها مُعطاة سَلَفاً». الإنسان مُتموضع تاريخياً، لكنّه ليس مَحض دُمية — وَعيُه وإرادته تُسهمان في كَتابة الفصل التالي.

تطبيقات حيّة على المواقف

هيجل: نابليون كَفَرَد لكنّه أَداة لـ«روح العصر» — يُمثّل عقلانيّة الدولة الحديثة.
سارتر: المناضلون ضدّ الاستعمار في الجزائر — قَرّروا أن يَصنعوا تاريخهم رغم القيود.