هل تَستطيع العلوم الإنسانيّة أن تُنتج معرفة موضوعيّة وعلميّة للظواهر الإنسانيّة؟ بمعنى آخر، هل يُمكن أن يَكون الإنسان ذاتاً للمعرفة وموضوعاً لها في الآن نفسه؟ وألا يُشكّل تَداخُل ذات الدارس بمَوضوع الدراسة عائقاً أمام تحقيق موضوعيّة العلوم الإنسانيّة؟
ظاهرة مُستقلّة عن الذات الدارسة، قابلة للملاحظة والقياس والتعميم. الفصل بين الذات والموضوع تامّ، ممّا يُتيح صياغة قَوانين كَونيّة. الظاهرة ثابتة ولا تَتأثّر بالملاحظة.
ظاهرة مُعقّدة ومُتعدّدة الأبعاد: الإنسان كائن حيّ، يَتكلّم، يَنتج. تَتداخل فيها الذات مع المَوضوع — الدارس هو الـمَدروس. ممّا يَطرح إشكال إمكانيّة الموضعة أصلاً.
طبيعيّة: سُقوط جِسم — يَخضع لقانون الجاذبيّة دون أن يَتأثّر بالعالِم الذي يَدرسه.
إنسانيّة: سُلوك جَماعة بشريّة تُلاحَظ — المُلاحَظون قد يُغيّرون سُلوكهم بمُجرّد إدراكهم أنّهم تَحت المُلاحَظة.
السؤال: هل الإنسان يَستطيع أن يَكون ذاتاً للمعرفة وموضوعاً لها في الوقت نفسه؟
تُخاطب العلوم الإنسانيّة الإنسانَ باعتباره كائناً يَحيا، يَتكلّم، يُنتج. فمن حيث هو كائن حيّ، يَنفتح أمامه مجال يَرتبط به (الإحداثيّات المُتحرّكة، الوظائف والحاجات). ومن حيث وُجوده الجسماني، يَجد نفسه في نقطة تَقاطُع مع الكائن الحيّ المُنتج للأشياء والأدوات (الشغل). وأخيراً، يَتمكّن من بناء عالم رَمزي من خلال اللغة. هكذا تَقع العلوم الإنسانيّة في نُقطة التجاوُر مع العلوم التي تَهتمّ بمسألة الحياة (البيولوجيا) أو الشغل (الاقتصاد) أو اللغة (الفيلولوجيا) — ومع ذلك فهي ليست علوماً أُولى أو علوماً أساسيّة، بل تَستقي وُجودها من تَقاطع هذه المجالات.
يَصدر كلّ بحث علمي عن ثُنائيّة المُلاحِظ والمَوضوع المُلاحَظ. ففي ميدان العلوم الإنسانيّة يَلعب الإنسان دور المُلاحِظ، بينما يُعتَبر العالَم بمثابة المَوضوع. وإذا كانت العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة عُلوماً بالفعل، فيَنبغي عليها أن تُحافظ على هذه الثُنائيّة، وأن تَعمل على نَقلها إلى داخل الإنسان، حتّى تَترسّخ القَطيعة التي تَفصل بين الإنسان المُلاحِظ والإنسان المُلاحَظ. هذا الأخير لا يَنبغي أن يَكون موضوعاً للتجربة فقط، بل ينبغي ألّا يَشعر أنّه كذلك، وإلّا تَدخّل وعيُه ليُغيّر مَسار التجربة. هكذا يَبدو أنّ الوعي هو العَدوّ الخَفي لعلوم الإنسان.
عندما يُعلن الفلاسفة «موت الإنسان»، فهم لا يَقصدون بذلك قُرب حُدوث طوفان أو مَذبَحة جَماعيّة، أو قَضاءً نهائيّاً على الكائنات البشريّة. إنّ الأمر يَتعلّق بـمفهوم الإنسان: هل سنَشهد غياباً تامّاً لهذا المفهوم؟ يَبدو أنّ علوم الإنسان تَستبعد حُدوث أمر كهذا، ولذلك نَجدها تُبلور مفاهيم جَديدة مثل اللغة واللاوعي والتاريخ. لقد فَقد الإنسان إحداثيّاته بالنسبة للعلم، فهو لم يَعد — كما يُردّد غالباً — مُجرّد حيّز يُعتبر بمثابة مَسرح الأحداث. ولكن مع ذلك يَظلّ الإنسان هو هذا الإنسان عَينه، أيّ الفرد. أيّ ذاك الذي يُشبهني ويَختلف عنّي أيضاً. والاعتراف بالفرد المُفكّر، أصبَح بالإمكان قيام فلسفة خاصّة بالإنسان.
المواقف الثلاثة تَكشف تَوتُّر العلوم الإنسانيّة أمام مسألة الموضعة: فوكو يَضعها في نقطة تَجاور مع علوم الحياة والاقتصاد واللغة، وليفي ستراوس يُطالب بـقطيعة صارمة بين الذات والموضوع لتحقيق العلميّة، ودوفرين يَرفض اختزال الإنسان في موضوع طبيعي ويُحافظ على تفرّده الوُجودي.
التركيب: ثَمّة صعوبات أساسيّة تُواجهها مسألة موضعة الظاهرة الإنسانيّة. فالإنسان هو الدارس وموضوع الدراسة في الوَقت نفسه، وينتج عن ذلك صُعوبة تَحقيق المَوضوعيّة. العالِم في مَجال العلوم الاجتماعيّة يَعيش مُفارَقة كُبرى: فهو جُزء من الجَماعة البشريّة التي يَدرسها، ومُطالَب بالتباعُد عنها وموضعتها. إنّه مُطالَب بأن يُميّز بين أحكام الواقع وأحكام القيمة.
فوكو: الأنثروبولوجيا تَقع بين البيولوجيا (الحياة) والاقتصاد (الشغل) واللسانيّات (اللغة).
ليفي ستراوس: الباحث الإثنوغرافي الذي يَدرس قبيلة بدائيّة — يَجب أن يَنزع وَعيه الثقافي الخاصّ.
دوفرين: رَفض البِنيويّة التي اختَزَلت الإنسان في بِنى لاواعية — الفرد المُفكّر يَظلّ مَركزاً.