يُشكّل نموذج علم الاجتماع (السوسيولوجيا) في العلوم الإنسانيّة الحَقل العلمي الذي يُحقّق علميّة العلوم الإنسانيّة ويَضمنها. فهل يُشكّل علم الاجتماع النموذج العلمي في العلوم الإنسانيّة؟ وهل يُمكن لعلم الاجتماع تَحقيق العلميّة كتلك التي حَقّقتها العلوم التجريبيّة؟
السوسيولوجيا كعِلم للجَماعة: يَفترض أنّ الكُلّ (المجتمع) من طبيعة مُغايرة لطبيعة عناصره المُكوِّنة (الأفراد). سُلوكات الأفراد نتاج إكراهات تُمارَسها البِنيات المُجتمعيّة عليهم. التحليل يَنطلق من البِنيات إلى الأفراد.
السوسيولوجيا كعِلم للفاعل الاجتماعي: انطلاقاً من أعمال ماكس فيبر، نموذج يَتركّز على الفاعل الاجتماعي ويَكشف عن النَمَط الذي يَنظِم به الفرد علاقاته مع أعضاء الجَماعة. التحليل يَنطلق من الفرد إلى المُجتمع.
نموذج جَمعي: ارتفاع نسبة الجَريمة في حيٍّ يُفسَّر بـالبِنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة للحَيّ.
نموذج ذرّي: الجَرائم تُفسَّر بـالاختيارات العقلانيّة للفاعلين (تَكلفة/فائدة).
السؤال: هل تَنطلق السوسيولوجيا من الكلّ لتُفسّر الجُزء، أم من الجُزء لتُعيد بناء الكلّ؟
إنّ السوسيولوجيا هي علم، وذلك بالتحديد لأنّ مَن يُمارسون البحث السوسيولوجي يَسعون إلى القيام به بِروح عِلميّة. فالسوسيولوجيا تَسعى إلى تَحديد الثوابت والقواعد أو القوانين التي تَتمفصل ضمن نَظريّات أو أبنية نَظريّة. كما تَقوم تلك النظريّات على مُسلّمات، تَعتبر بمثابة قضايا بَديهيّة. والسوسيولوجيا تَقوم على ثلاث مُسلّمات وتَعتمد نَموذجَين نَظريَّين أساسيَّين:
• المسلّمة الأولى: اعتبار أنّ الإنسان يُشكّل نَوعاً واحداً وثابتاً لا يَتغيّر في الزمان.
• المسلّمة الثانية: اعتبار أنّ مَجموع الوقائع الاجتماعيّة (المَجال الاجتماعي) تُشكّل مجالاً خارجيّاً بالنظر إلى الفرد.
• المسلّمة الثالثة: اعتبار أنّ تَنظيم الوقائع الاجتماعيّة يَنطوي على معنى يَجري كشفه عن طريق تَطبيق مَناهج الفكر العلمي.
أمّا النموذج النظري الذي يَغلب على السوسيولوجيا فهو نموذج جَمعي يَفترض أنّ الكلّ (المُجتمع) هو من طَبيعة مُغايرة لطَبيعة عناصره المُكوّنة (الأفراد). وفي مُقابل هذا النموذج تَبلور نموذج نَظري آخر (انطلاقاً من أعمال ماكس فيبر) وهو نموذج ذو منحى ذرّي يَتركّز على الفاعل الاجتماعي.
يُمكن أن نُلَخّص تاريخ المُعاصر للنظريّة السوسيولوجيّة في تَوجُّهَين مُتعارضَين:
التوجّه الأول: من ناحية أُولى نَجد لفيفاً من علماء الاجتماع يَذهبون، بأَسرع ما يُمكن، إلى صياغة قَوانين سوسيولوجيّة والعَمل على تَعميمها. ومن أَجل مَنح معنى للعَمل السوسيولوجي تَراهم يُفضّلون تَحليل المَجالات الصوريّة (المنطقيّة) العامّة، ويُؤْثرون ذلك على كلّ سَعي للتحقّق اختباريّاً من صحّة منطلقاتها. شعار هذا الفريق هو: «إنّنا لا نَدري ما إذا كان ما نقوله صحيحاً، غير أنّنا نَعرف أنّه يَنطوي على معنى».
التوجّه الثاني: في الطَّرف الأقصى تَقوم جماعةٌ جَسورة من علماء الاجتماع الذين لا يَأبَهون كثيراً لنتائج بحوثهم، غير أنّهم يُبقون ثِقة كاملة في صِحّة البَيانات التي يُقدّمونها. فالوقائع التي يَعرضونها هي وقائع قابلة للتحقّق، إلّا أنّهم لا يُحاولون، البَتّة، الرَّبط بين تلك الوقائع، ولا يَسعون كذلك إلى تَفسير سَبب اختيار القيام بهذه الملاحظات دون غيرها. شعار عالِم الاجتماع الاختباري الجَذري هو: «إنّنا لا نَعلم ما إذا كان ما نَقوله ذا معنى، غير أنّنا نَعرف بأنّه صحيح».
بابييه يُقدّم تَعريفاً تَركيبيّاً لعلم الاجتماع: علم له مُصادراته (المُسلّمات الثلاث) ونماذجه الإبستمولوجيّة (الجَمعي والذرّي). ويَضعه في الحُدود الفاصلة بين الفهم والتفسير، وبين النموذج الجَمعي والنموذج الذرّي.
ميرتون يَكشف تَجاذُباً بين تَقليدَين نَظريَّين: أحدهما يَنزع إلى إنشاء أبنية نَظريّة شاملة تَطمح إلى تَقديم تَفسيرات كُبرى، والثاني يَكتفي بإنجاز بحوث جُزئيّة في ميادين اجتماعيّة مَخصوصة اعتماداً على ملاحظات واختبارات دقيقة.
التركيب: السوسيولوجيا — كنموذج للعلميّة في العلوم الإنسانيّة — تَجمع بين طُموح العلميّة وصُعوبات الموضعة. النَّظريّات السوسيولوجيّة الثلاث الكُبرى (الوَضعيّة عند دوركايم، التَفهُّميّة عند فيبر، الوَظيفيّة عند بارسونز) تَعكس هذا التوتّر — لكنّها جَميعاً تُحاول بناء معرفة صارمة وذات معنى.
بابييه: دراسة دوركايم للانتحار (نموذج جَمعي) مقابل دراسة فيبر للأخلاق البروتستانتيّة (نموذج ذرّي).
ميرتون: النَّظريّات الكُبرى (بارسونز) مقابل البُحوث الإثنوغرافيّة الجُزئيّة — تَوتُّر مُستمرّ في السوسيولوجيا.
النَّظريّات الثلاث: الوَضعيّة (دوركايم) ← التفسير. التَفهُّميّة (فيبر) ← الفَهم. الوظيفيّة (بارسونز) ← تَحديد وظائف الواقعة في النَّسق.