⌂ الرئيسية 📋 مواضيع امتحانيّة ⚐ المنهجية
⁕ مجزوءة المعرفة ⁕ درس مسألة العلميّة في العلوم الإنسانيّة ⁕ المحور الثالث ⁕

فهم إشكال: «نموذجيّة العلوم التجريبيّة»

تَطرح نموذجيّة العلوم التجريبيّة نَفسها كمعيار أو أساس يُمكن تَبَنّيه لإحقاق وتَحقيق علميّة العلوم الإنسانيّة. فهل يَصلح نموذج العلوم التجريبيّة حقّاً للتَطبيق على العلوم الإنسانيّة؟ وأيّ حدّ من العلميّة يُمكن أن يُحقّقه فيها؟ هل يُمكنه أن يُوصلها إلى ما حقّقته العلوم التجريبيّة من علميّة، أم أنّه يَنبغي عليها أن تُفكّر في مناهج خاصّة بها؟

1

التمييز المفاهيمي

النموذج التجريبي الكُلاسيكي

نموذج العلوم الفيزيائيّة الطبيعيّة: مَنهج صارم يَختزل الظاهرة إلى وَحدات قابلة للقياس، يَفصل تماماً بين الذات والمَوضوع، يُؤسّس قوانين كُلّيّة، يَستخدم الرياضيّات. النموذج المثالي للعلميّة منذ القرن السابع عشر.

🔮

نموذج العلميّة المُغايرة

نموذج خاصّ بالظَّواهر الإنسانيّة: لا يَتخلّى عن صَرامة المنهج، لكنّه يُدمج الدلالات والمَقاصد والقِيم التي لا يَستطيع النموذج التجريبي تَناولها. صورة مُغايرة للعلميّة تُلائم خُصوصيّة الظاهرة الإنسانيّة.

⚑ مثال توضيحي

نموذج تجريبي: دوركايم يَدرس الانتحار كـ«شيء» — يُحلّل الإحصاء ويَستبعد ذاتيّة المُنتحرين.
نموذج مُغاير: ماكس فيبر يَدرس الرأسماليّة بـ«النمط المثالي» — يَفهم النيّات والقيم الدينيّة.

السؤال: هل تَكتسب العلوم الإنسانيّة علميّتها بـتَقليد العلوم الطبيعيّة، أم بـابتكار نموذج جديد للعلميّة؟

2

الإشكال المركزيّ

هل تَستلهم العلوم الإنسانيّة نموذج العلوم التجريبيّة الطبيعيّة،
أم تُؤسّس صورة مُغايرة للعلميّة تُلائم خُصوصيّة الإنسان؟
وبالتالي: هل العلميّة واحدة كَونيّة تَنطبق على كلّ المجالات، أم أنّها تَتعدّد بتعدّد المجالات المعرفيّة؟
3

المواقف الفلسفيّة

الموقف 1 — صورة مُغايرة للعلميّة

تَدشين صورة مُغايرة للعلميّة

⁕ جان لادريير

هل بوسعنا أن نَعتمد، في مَجال دراسة الظَّواهر الاجتماعيّة، على المناهج التي كَشفت عن حُجّيّتها في ميدان علوم الطبيعة؟ وهل بالإمكان دراسة العناصر المُكوِّنة للفِعل الإنساني بنفس الكيفيّة التي نَدرس بها خصائص موضوع من المَوضوعات الفيزيائيّة؟ يَبدو تَرتيباً على هذا أنّنا أمام إمكانيَّتَين اثنتَين:
الأولى: تَقتضي إيجاد وسيلة وَضع الفاعلين بين قَوسَين (نَهج دوركايم) — منهج يُعامل الظاهرة كَشيء.
الثانية: تَكمن في التخلّي بشكل كُلّي عن كلّ المَصادر التي يُمكن أن تُقترَح من طَرف علوم الطبيعة، وذلك عبر إنشاء أداة تَحليل أصيلة تَتلاءَم وطبيعة الموضوع المَدروس.

كلّ طريق من هذَين الطريقَين تَعترضه صُعوبات. إنّ حقل الظَّواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة يُمكن أن يَمنحنا صُورة مُغايرة للعلميّة في مجال الظَّواهر الفيزيائيّة، إلّا أنّ هذا لا يَعني انتظار ظُهور نمط لعلوم الإنسان مُغايراً كلّيّاً للشكل المُمَيِّز للعلوم الطبيعيّة.

«حَقل الظَّواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة يُمكن أن يَمنحنا صورة مُغايرة للعلميّة — دون أن يَعني ذلك انتظار نمط مُغاير كلّيّاً»
الموقف 2 — نَموذجان مُتعارضان

نموذجَان للمَعرفة في العلوم الإنسانيّة

⁕ إدغار موران

هُناك نَمَطان من السوسيولوجيا في مَجال البَحث الاجتماعي: سوسيولوجيا أُولى يُمكن نَعتها بالعلميّة، وسوسيولوجيا أخرى يُمكن نَعتها بالإنشائيّة. وتُعتبر الأولى بمثابة طبيعة السوسيولوجيا، في حين تُعتبر الثانية بمثابة المُؤخَّرة التي لم تَتَخَلَّل، بشكل مُناسب، من إسار الفلسفة، ومن المَقالة الأدبيّة والتأمّل الأخلاقي.

يَستعير النَّمَط الأول من السوسيولوجيا نموذجاً علميّاً كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء: فهو نَموذج آلي وحَتمي بآن واحد، إذ يَتعلّق الأمر بتحديد القَوانين والقواعد التي تُؤثّر، تَبَعاً لعلاقات سَببيّة، خَطّيّة ومُنتظمة. هذا النَّموذج يَتمّ استبعاد كلّ ما يَحيط بالموضوع المَدروس. ولا شكّ أنّ هذا التصوُّر يَستبعد من الحقل السوسيولوجي كلّ إمكانيّة لتصوّر ذوات أو قُوى فاعلة أو مَسؤوليّة الذوات وحُرّيّتها.

أمّا في السوسيولوجيا الإنشائيّة، فإنّ ذات الباحث تَحضُر — بالمقابل — في موضوع البحث، فهو يَنطِق أحياناً بضمير المُتكلِّم. لكنّ المَعرفة البيولوجيّة الحديثة، اليوم، تَمنح مفهوم الذات أساساً بيولوجيّاً ومُتعالياً.

«النموذج العلمي يَستبعد الذات والحرّيّة والمسؤوليّة — أمّا النموذج الإنشائي فيَحضُر فيه الباحث بضمير المُتكلِّم»
4

التركيب — موقف ناضج

الخلاصة الفلسفيّة

لادريير يَكشف إمكانيَّتَين أمام العلوم الإنسانيّة: استلهام نموذج العلوم الطبيعيّة (مع وَضع الفاعلين بين قَوسَين)، أو ابتكار أَداة تَحليل أصيلة. ويَخلص إلى أنّ صورة مُغايرة للعلميّة ممكنة دون أن تَعني قَطيعة جَذريّة.

موران يَطرح تَوتُّراً جَوهريّاً بين نَمَطَين: السوسيولوجيا العلميّة (نموذج فيزيائي آلي حَتمي يَستبعد الذات)، والسوسيولوجيا الإنشائيّة (تَحضُر فيها الذات بضمير المُتكلِّم). يَقترح موران أنّ المعرفة البيولوجيّة الحديثة تُعيد بناء مفهوم الذات على أُسس جديدة.

التركيب: العلوم الإنسانيّة لا تَختار بين تَقليد أو قَطيعة، بل تُبدع نموذجاً ثالثاً يَستفيد من صَرامة العلوم التجريبيّة دون اختزال الإنسان إلى شَيء.

تطبيقات حيّة على المواقف

لادريير: دراسة الجَريمة — يُمكن أن تَستلهم الإحصاء الجِنائي (تَقليد) أو أن تَبتكر مَنهج فَهم النَّوايا (أصالة).
موران: دراسة الحُبّ — السوسيولوجيا العلميّة تُحوّله إلى مُتغيِّر، والإنشائيّة تَحفظ تَفرّده الوُجداني.