⌂ الرئيسية 📋 مواضيع امتحانية ⚐ المنهجية
⁕ مجزوءة الوضع البشري ⁕ درس الشخص ⁕ المحور الثاني ⁕

فهم إشكال: «الشخص بوصفه قيمة»

بعد أن عرفنا في المحور الأول ما جوهر الشخص، نسأل هنا سؤالاً أخلاقياً مختلفاً: كم يساوي الشخص؟ هل قيمته كاملة في ذاته، أم أنه يستمد قيمته من علاقته بالآخرين؟ هذه الخطاطة تفكّك الإشكال في 6 خطوات حتى تصل إلى أطروحتي كانط وغوسدورف.

1

أول خطوة: التمييز بين نوعي القيمة — «قيمة مطلقة» و«قيمة نسبية»

قبل فهم الإشكال، لا بدّ من التمييز الدقيق بين نوعين من القيمة — هذا التمييز هو مفتاح كل الدرس:

💎

قيمة مطلقة

القيمة التي لا تتوقف على شيء آخر. الشيء ذو القيمة المطلقة له قيمة في ذاته، لا لأنه نافع أو مرغوب، بل لأنه يحمل كرامة ذاتية. لا يُستبدل، لا يُقيَّم بالمال، ولا يُعامَل وسيلة. هذا هو «غاية في ذاته».

🏷️

قيمة نسبية

القيمة التي تتوقف على ميول الناس وحاجاتهم. الشيء ذو القيمة النسبية يساوي ما يرغب الناس في دفعه فيه. يتغير ثمنه بتغير الطلب. يُستبدل، يُباع، يُشترى، يُستعمل. هذا هو «وسيلة لغاية أخرى».

⚑ مثال توضيحي

السيارة: قيمتها نسبية — تُقاس بما يدفعه المشتري، ومع التقادم تفقد قيمتها. وسيلة للتنقل.
الإنسان: هل له قيمة مطلقة (غاية في ذاته لا يُشترى ولا يُستبدل)، أم نسبية (يُقاس بمنفعته للمجتمع)؟

هذا هو السؤال الجوهري للمحور.

2

السؤال الإشكالي: أين تكمن قيمة الشخص؟

بعد التمييز، نسأل: هل قيمة الإنسان في ذاته، أم فيما يمثله للآخرين؟

هل يستمد الشخص قيمته من كونه كائناً عاقلاً (من ذاته)،
أم من انتمائه إلى جماعة بشرية (من الآخرين)؟
وهل قيمته مطلقة تمنحه كرامة لا تُباع،
أم نسبية تتوقف على علاقته بالجماعة؟
بعبارة أخرى: تخيَّل إنساناً يعيش وحيداً على جزيرة منعزلة، لا علاقة له بأحد.
هل له قيمة؟ أم أن قيمته تُولد فقط حين يدخل في علاقات مع الآخرين؟
⚑ إعادة صياغة للسؤال ببساطة

حين نقول «الإنسان له كرامة» — من أين جاءت هذه الكرامة؟ هل وُلد الإنسان وهو يحملها (قيمة في ذاته)؟ أم أن المجتمع منحها له عبر الاعتراف والتعايش (قيمة في الجماعة

هذا هو إشكال المحور الثاني: هل قيمة الشخص معطى فردي أم إنجاز جماعي؟

3

موقفان متقابلان في الإجابة

الفلاسفة في هذا المحور ينقسمون إلى موقفين رئيسيين حول مصدر قيمة الشخص:

الموقف 1

قيمة الشخص في ذاته

المبدأ: الشخص له قيمة مطلقة لأنه كائن عاقل. هذه القيمة ذاتية، لا تتوقف على الآخرين ولا على المنفعة. الشخص غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة.
إيمانويل كانط

الكائنات العاقلة (الأشخاص) لها قيمة مطلقة لأنها غاية في ذاتها. أما الأشياء غير العاقلة فلها قيمة نسبية مشروطة بحاجات الإنسان. لو زالت هذه الحاجات، زالت قيمة الأشياء.

«الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها».
الأمر الأخلاقي الكانطي

من هذا المبدأ يستخرج كانط قاعدة أخلاقية صارمة: «عامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، دائماً كغاية، ولا تعاملها أبداً كوسيلة فقط».

الموقف 2

قيمة الشخص في الجماعة

المبدأ: الفرد المعزول لا قيمة له. الشخص يستمد قيمته من التعايش داخل المجموعة البشرية. فكرة «الفرد المستقل» جاءت متأخرة في التاريخ، وقبلها عاش الناس فعلياً ضمن الجماعة.
جورج غوسدورف

فكرة الذات المستقلة (ديكارت، كانط) لم تتحقق إلا متأخراً في الفكر. بالرجوع إلى بدايات الوجود الإنساني، نجد الفرد يعيش ضمن الجماعة (الأسرة، العشيرة، القبيلة) — وهذه الأشكال هي ما سمح للجماعة بالبقاء.

«قيمة الشخص لا تتحدد في مجال الوجود الفردي، بل في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية».
الإنسان بما هو كائن اجتماعي

الإنسان لا يصير إنساناً بالفعل إلا عبر اللغة والتضامن والتربية — كلها منتجات جماعية. الطفل المعزول تماماً عن البشر لا ينمو كإنسان. الجماعة هي من تخلق الإنسانية، لا العكس.

⚑ الصيغة الشهيرة لكانط (يجب حفظها)
«اعمل دائماً بحيث تُعامل الإنسانية — في شخصك أو في شخص غيرك —
كغاية في ذاتها، ولا تعاملها أبداً كوسيلة فقط
هذه الصيغة ليست مجرد قول جميل — هي قاعدة عملية تفصل الأخلاقي عن اللاأخلاقي. كل فعل يستعمل الإنسان كـ«وسيلة فقط» (العبودية، الاستغلال، الاتجار بالبشر) هو فعل غير أخلاقي. وكل فعل يحترمه كـ«غاية» هو فعل أخلاقي.
4

التسلسل المنطقي الكامل للمحور

هكذا يتطور النقاش داخل المحور الثاني — من التأسيس الكانطي إلى الاعتراض الاجتماعي:

1
نقطة البداية: الأشياء في العالم نوعان — أشياء (وسائل قابلة للاستبدال) وأشخاص (كائنات عاقلة). فما الفرق بينهما في القيمة؟
2
الأطروحة الأولى (كانط): الأشياء لها قيمة نسبية (مشروطة بميولاتنا). الأشخاص لهم قيمة مطلقة لأنهم عقلاء. كل شخص غاية في ذاته، وليس وسيلة. قيمته لا تتوقف على أحد.
3
النتيجة الأخلاقية: هذا المبدأ يولّد قاعدة عملية — لا تعامل الإنسان كوسيلة فقط. العبودية، الاتجار بالبشر، الاستغلال الاقتصادي — كلها أفعال لا أخلاقية لأنها تنتهك هذه القاعدة.
4
اعتراض (غوسدورف): لكن فكرة «الشخص المستقل ذي القيمة الذاتية» فكرة متأخرة في التاريخ. الواقع الأصلي هو أن الإنسان وُلد داخل جماعة — أسرة وقبيلة وعشيرة. لم يكن الفرد «غاية في ذاته» — بل كان عضواً في جماعة.
5
الأطروحة الثانية (غوسدورف): قيمة الشخص ليست فردية معطاة، بل تُبنى في التعايش. الطفل لا يصبح إنساناً إلا داخل الجماعة (اللغة، التربية، التضامن). الجماعة تسبق الفرد وتمنحه إنسانيته.
6
الخلاصة (التركيب): قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة: هو فرد يمتلك كرامة ذاتية تُلزمنا بمعاملته كغاية (كانط)، وهو في الوقت نفسه عضو في جماعة تمنحه وتعترف بقيمته (غوسدورف). لا تناقض بينهما، بل تكامل.
5

أمثلة تطبيقية لفهم الإشكال

📌 مثال 1: العبودية

نظام يعامل الإنسان كسلعة تُباع وتُشترى وتُستعمل في العمل دون إرادتها. البائع يحدد ثمن «الرقيق» حسب قوته وسنه ومهاراته.

هل العبودية فعل أخلاقي؟

كانط: جريمة أخلاقية مطلقة. العبودية تنتهك القاعدة الأساسية — فهي تعامل الإنسان كـوسيلة فقط (لتحقيق ربح السيد)، لا كغاية في ذاته. تُحوِّل الشخص من «كائن كريم» إلى «شيء له قيمة نسبية».

غوسدورف: نفس الحكم، من زاوية أخرى. العبودية تنتهك مبدأ التعايش داخل الجماعة البشرية — تُخرج فئة من الاعتراف والتضامن. الجماعة التي تقبل العبودية تنكر لبعض أفرادها إنسانيتهم.

📌 مثال 2: الطفل المعزول («الطفل الذئب»)

حالة تاريخية موثّقة: أطفال نشأوا معزولين عن البشر (رُبُّوا مع حيوانات أو في عزلة تامة). حين عادوا إلى المجتمع، لم يعرفوا التكلم، ولم يطوروا قدرات التفكير المجرد.

هل يملك «الطفل الذئب» كرامة إنسانية؟

كانط: نعم، بالقوة. بمجرد كونه إنساناً بيولوجياً، فهو يحمل إمكانية العقل، وبالتالي له كرامة. الكرامة ليست منجزاً اجتماعياً بل معطى طبيعي.

غوسدورف: إنسانيته لم تتحقق فعلياً إلا جزئياً. الإنسان لا يصير إنساناً إلا بالتعايش. بدون الجماعة، تبقى «إمكانية» لا «فعلية». هذا المثال يُقوّي موقف غوسدورف: الإنسانية لا تُولد، بل تُصنع جماعياً.

📌 مثال 3: الرياضي كأداة إعلانية

لاعب كرة قدم موهوب. الشركة توقّع معه عقداً بملايين الدولارات، لكن الهدف الفعلي هو استعماله في الإعلانات لبيع المنتجات. الشركة تعتبره «وجهاً يبيع»، لا إنساناً.

هل هذا فعل أخلاقي؟

كانط يميّز بدقة: ليس كل استعمال للإنسان وسيلةً هو لا أخلاقي. الإشكال حين يكون «وسيلة فقط». إذا عاملت الشركة اللاعب كإنسان يستحق الاحترام والحرية (وليس فقط كـ«واجهة إعلانية»)، فالعلاقة مشروعة. لكن إذا اختُزل في كونه أداة ربح دون احترام كيانه، فقد انتُهكت كرامته.

غوسدورف: يُضيف بُعداً آخر — قيمة اللاعب ليست فقط في «موهبته الفردية» بل في الاعتراف الجماعي به كرياضي. الجماهير والمجتمع الرياضي هم من يصنعون نجوميته. العلاقة إذن ثلاثية: لاعب + شركة + جماعة.

6

نقطة مهمة: الفرق بين محاور درس الشخص الثلاثة

لا تخلط بين محاور درس الشخص — كل محور يسأل سؤالاً مختلفاً:

م 1

الشخص والهوية

السؤال: ممّ يتكون الشخص؟

البحث عن النواة الثابتة: فكر (ديكارت) / شعور (لوك) / إرادة (شوبنهاور).

البعد: أنطولوجي (ماهية)
م 2

الشخص بوصفه قيمة

السؤال: كم يساوي الشخص؟

البحث عن أساس الكرامة: غاية في ذاته (كانط) / ضمن الجماعة (غوسدورف).

البعد: أكسيولوجي (قيمة)
م 3

الشخص بين الضرورة والحرية

السؤال: هل الشخص حر؟

البحث عن مجال الحرية: حتميات اللاشعور (فرويد) / مشروع حر (سارتر).

البعد: أخلاقي (مسؤولية)
⚑ الفرق الدقيق الذي يفلت من التلاميذ

يخلط البعض بين م1 وم2 لأن كليهما يتحدث عن «ما يميز الشخص». لكن الفرق دقيق:
م1 (الهوية) يبحث عن العنصر الثابت الذي يصنع استمرارية الشخص (بُعد وصفي: ماذا يوجد؟).
م2 (القيمة) يبحث عن مصدر الكرامة الأخلاقية (بُعد معياري: كم يستحق؟).

مثال: الفكر عند ديكارت يصنع هوية الشخص (م1). والعقل عند كانط يصنع قيمة الشخص (م2). نفس الأداة (العقل/الفكر) لكن بسؤال مختلف.

⬥ الخلاصة: ماذا يطلب منك الإشكال في الامتحان؟ ⬥

1. افهم السؤال أولاً

حين يسألك السؤال عن «قيمة الشخص»، فهو يطلب منك تحديد مصدر الكرامة الإنسانية — هل هي معطى ذاتي (في العقل)، أم منجز اجتماعي (في الجماعة)؟ ليس السؤال عن الهوية، بل عن الكرامة.

2. ابدأ بالتمييز: قيمة مطلقة / قيمة نسبية

هذا التمييز هو أساس كل الدرس. ميّز بين الأشياء (قيمة نسبية، تتوقف على الرغبة) والأشخاص (قيمة مطلقة، لا تتوقف على شيء). بدون هذا التمييز، لن يفهم أحد إجابتك.

3. الأطروحة الأولى: قيمة الشخص في ذاته (كانط)

قدّم كانط بصيغته الشهيرة: «الطبيعة العاقلة توجد كغاية في ذاتها». الشخص كائن عاقل، وعقله يمنحه كرامة لا تتوقف على أحد. ومنها: «عامل الإنسانية دائماً كغاية لا كوسيلة فقط».

4. اعتراض: لكن الإنسان كائن اجتماعي أصلاً

فكرة «الفرد المستقل» فكرة متأخرة في التاريخ. الإنسان وُلد داخل جماعة، وبدون الجماعة لا يصير إنساناً (الطفل الذئب). هذا يفتح الباب لموقف غوسدورف.

5. الأطروحة الثانية: قيمة الشخص في الجماعة (غوسدورف)

قيمة الشخص لا تتحدد في الوجود الفردي، بل في التعايش داخل المجموعة البشرية. الجماعة هي من تصنع الإنسانية عبر اللغة والتربية والتضامن.

6. التركيب: قيمة مزدوجة

لا تحسم بين الموقفين. بل أظهر أن قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة — هو فرد يحمل كرامة ذاتية (كانط) وعضو في جماعة تمنحه الاعتراف (غوسدورف). لا تناقض بين البعدين، بل تكامل. هذا ما يقوله المقرر نفسه في الاستنتاج.

⚑ نصيحة ذهبية للامتحان

هذا المحور هو الأقل ترابطاً مع باقي المحاور — لا تخلط أسئلته بأسئلة المحور الأول. إذا جاء السؤال يتحدث عن «كرامة»، «قيمة»، «غاية»، «وسيلة»، «احترام» — فأنت أمام المحور الثاني، وليس الأول.

الصيغة الذهبية التي تفتح كل الأبواب:
ابدأ دائماً بهذه الجملة — «الأشياء لها قيمة نسبية مشروطة بحاجاتنا، أما الأشخاص فلهم قيمة مطلقة باعتبارهم كائنات عاقلة» — ثم انطلق منها لتفصيل موقف كانط ثم الاعتراض الاجتماعي لغوسدورف.

الجمل المفاتيح للحفظ:
❶ «الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها» (كانط)
❷ «عامل الإنسانية كغاية، ولا تعاملها أبداً كوسيلة فقط» (الأمر الأخلاقي الكانطي)
❸ «قيمة الشخص لا تتحدد في الوجود الفردي، بل في التعايش داخل المجموعة البشرية» (غوسدورف)

حيلة بلاغية: تستطيع في الخاتمة أن تربط بين المحورين — «هوية الشخص (م1) تمنحه خصوصيته، وقيمته (م2) تمنحه كرامته، وكلاهما يُكوِّن الشخص الفلسفي».